
“حين يصبح الحب سؤالًا متأخرًا… ورفضًا لا يلين”
قراءة في كلمات اغنية السيدة فيروز ( بتسأل إذا بهواك )
هذه الكلمات لا تُقال في لحظة حب، بل تُنتزع من قلب أنهكه الحب نفسه، حتى صار السؤال فيه نوعًا من التأخر، وربما من القسوة. فحين تقول الشاعرة:
“بتسأل إذا بهواك وهالقلب مين ال ذوبه
مين ال ضناه وعذبه ودله على الغصّات”
فنحن لسنا أمام عتاب عابر، بل أمام سجلّ طويل من الألم المتراكم، حيث لم يعد الحب تجربة عاطفية، بل مسارًا من “الذوبان” و”الضنى” و”الغصّات”. هنا يتحول الحبيب إلى سببٍ لإعادة تشكيل الذات على هيئة وجع دائم.
اللافت في النص أن الذاكرة العاطفية ليست ذاكرة لحظات جميلة ضاعت، بل ذاكرة فقدٍ متكرر: النوم المسروق، ولون الشباب الممحى، والليل الذي تعلّم فيه القلب البكاء بدل الطمأنينة:
“مين من عيني سرق نوم الهنا
مين عن خدي مسح لون الشباب”
هذه ليست استعارات شعرية فقط، بل هي اتهام وجودي للحب الآخر بأنه لم يكن علاقة، بل استنزاف بطيء للحياة نفسها. وكأن الحبيبة لا تتحدث عن فراق، بل عن عمرٍ أُعيدت كتابته تحت ضغط الألم.
ثم تأتي الذروة النفسية في التحول من العاطفة إلى الطقوس القسرية:
“ومين علمني البكي وكتر الصلاة
ومين مشّاني على دروب العذاب”
هنا يتجاوز الحب حدوده الإنسانية ليصبح سببًا في تغيير سلوك الروح: البكاء كعادة، والصلاة كملاذ قهري، والدروب ليست دروب اختيار بل دروب “عذاب” مفروضة. كأن الحب لم يعد إحساسًا، بل نظام حياة مفروض بالقهر العاطفي.
لكن المفصل الأهم في النص كله هو لحظة الانقلاب:
“من بعد هالأخبار ومن بعد يلي صار
ولك لأ ما بهواك”
هذه الجملة ليست مجرد رفض، بل إعلان تحرر متأخر. وكأن كل ما سبق كان تبريرًا طويلًا للوصول إلى هذه اللحظة: لحظة استعادة الذات من بين الركام. الحب هنا لم ينتهِ بشكل هادئ، بل سقط بعد تراكم “الأخبار” و”اللي صار”، أي بعد أن أصبح الماضي نفسه دليل إدانة.
في العمق، هذه القصيدة ليست عن حب انتهى، بل عن وعيٍ متأخر بأن ما كان يُسمى حبًا كان شكلًا من أشكال الفقد المستمر. ولذلك فإن “لأ ما بهواك” ليست رفضًا للحبيب فقط، بل رفضًا لسردية كاملة عاشها القلب وهو يظنها عشقًا.
إنها قصيدة تقول ببساطة موجعة: أحيانًا لا نحتاج إلى الخروج من الحب، بل إلى الاعتراف أنه لم يكن حبًا كما ظننا، بل طريقًا طويلًا إلى أنفسنا بعد أن تهشمت.