--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.
الثقافة والفن

حين يصبح الجهل اعترافًا لا إهانة: فيروز أكبر من أن تُمسّ

نُشر في ٢٩‏/٤‏/٢٠٢٦، ٦:٠٤:٣٢ م

28444.png

حين يصبح الجهل اعترافًا لا إهانة: فيروز أكبر من أن تُمسّ

ليست قيمة الرموز الكبرى فيما يقوله عنها العابرون، ولا فيما يجهله الطارئون على التاريخ. فالأسماء التي تتحول إلى جزء من الوجدان الجمعي لا تحتاج إلى شهادة من أحد، ولا تنتظر اعترافًا من شخص أو تيار أو سلطة كي تثبت حضورها. ولهذا، فإن الادعاء بعدم معرفة فيروز لا ينتقص منها شيئًا، بل يكشف فراغًا ثقافيًا وروحيًا لدى من يطلق مثل هذا القول.

فيروز ليست مجرد مطربة، ولا مجرد صوت جميل عبر أثير الصباحات العربية. فيروز حالة حضارية كاملة؛ ذاكرة مشتركة، ووجدان عابر للحدود، ومرآة لزمن كان فيه للفن معنى، وللكلمة وزن، وللجمال رسالة. هي اختصار للرقة حين كانت الرقة فضيلة، وللحياء حين كان الحياء قيمة، وللثقافة حين كانت الثقافة جزءًا من تكوين الإنسان لا زينةً اجتماعية.

من المحيط إلى الخليج، يصعب أن تجد بيتًا عربيًا لم يعبره صوتها، أو قلبًا لم تلامسه أغنية لها، أو صباحًا لم يبدأ على نبرة من حنينها. حتى الذين لا يتابعون الفن، يعرفون فيروز كما يعرفون أسماء المدن القديمة والأمهات الأولى؛ لأنها لم تكن فنانة تخص جيلًا بعينه، بل أصبحت جزءًا من تعريفنا لأنفسنا.

في المقابل، هناك نماذج لا تعرف من الحياة سوى القسوة، ولا ترى في الإنسان إلا مشروع خوف أو طاعة أو عقوبة. عقول تشكّلت في بيئات مغلقة، تعتبر الجمال ترفًا مشبوهًا، والفن انحرافًا، والفرح تهمة تحتاج إلى تبرير. هذه النماذج لا تستطيع فهم فيروز أصلًا، لأن المسافة بين الطرفين ليست خلافًا في الذوق، بل اختلاف جذري في معنى الإنسان نفسه.

كيف يمكن لمن تربّى على صوت الرصاص أن يفهم صوت الرحمة؟ وكيف لمن يرى العالم من ثقب التحريم أن يدرك اتساع الأغنية؟ وكيف لمن اعتاد صناعة الكراهية أن يلتقط معنى أن يصبح الصوت وطنًا؟

فيروز تمثل الإنسان حين يسمو، حين يختار النور بدل العتمة، والكلمة بدل الشتيمة، والحب بدل السكين. أما دعاة القبح، فهم أبناء لحظة عابرة، تصنع ضجيجًا كبيرًا ثم تذوب في مزبلة التاريخ، بينما تبقى الأصوات الحقيقية لأنها خُلقت من مادة البقاء.

ليست القضية هنا دفاعًا عن فيروز، فهي لا تحتاج من يدافع عنها؛ التاريخ نفسه يفعل ذلك. القضية هي الدفاع عن فكرة الجمال في وجه ثقافة الخراب، وعن حق الناس في أن يعيشوا بقلوب مفتوحة لا بأرواح محاصرة بالخوف والفتاوى والسجون.

نحن لا نقارن بين شخصين، بل بين مشروعين: مشروع يبني الإنسان من الداخل، ومشروع يهدمه من الجذور. بين من يجعل الصباح أكثر احتمالًا، ومن يجعل الحياة كلها ساحة ظلام.

لهذا، فإن الجهل بفيروز ليس موقفًا منها، بل موقف من الحياة نفسها. ومن لا يعرف الجمال، لا يملك حق تعريف الفضيلة. ومن لم تمرّ في قلبه فيروز، فاته شيء جوهري من معنى أن يكون عربيًا، وربما من معنى أن يكون إنسانًا.