
حين يتعلم القلب الصمت:
في مدينةٍ لا تُشبه المدن، كان هناك قلبٌ يظنّ أن الحبّ لا يعرف النهاية. كان يؤمن أن الأشياء الجميلة، مهما طال بها الزمن، تبقى كما هي: دافئة، قريبة، ومليئة بالنبض.
لكن الحبّ، كما اكتشف لاحقًا، لا يختفي فجأة… بل يتسلّل بهدوء، مثل ضوءٍ ينسحب من غرفةٍ تُترك نافذتها نصف مفتوحة. يبدأ صغيرًا، لحظة تأجيل، كلمة لم تُقل، وعتبٌ ابتلعه الصمت بدلاً من أن يُقال.
كانا معًا، لكن شيئًا ما بينهما بدأ يبرد دون أن يعلنا ذلك. لم يكن هناك خلاف كبير، ولا بابٌ أُغلق بعنف. فقط أيامٌ تتشابه، وحديثٌ يقلّ، ونظراتٌ لم تعد تجد طريقها بسهولة.
ومع الوقت، صار القرب عادةً لا شغفًا. وصار السؤال: “كيف حالك؟” يُقال بلا انتظارٍ حقيقي للإجابة. حتى جاء اليوم الذي اكتشف فيه أحدهما أن وجود الآخر لم يعد يحرّك داخله شيئًا… لا فرحًا، ولا ألمًا، فقط سكونًا غريبًا يشبه الفراغ.
تساءل كثيرًا: كيف يتحوّل كل ذلك الدفء إلى هذا البرود؟ أين ذهب ذلك الشعور الذي كان يملأ العالم ضجيجًا جميلًا؟ هل انتهى حقًا… أم أنه تبدّل في مكانٍ ما لا نراه؟
وفي لحظة صادقة مع نفسه، فهم أن الحب لم يمت مرة واحدة، بل تسرّب منه على دفعات صغيرة، حتى لم يتبقَّ منه شيء يُمسك به.
لم يكن هناك وداع درامي، ولا نهاية تشبه القصص. فقط إدراكٌ هادئ بأن القلب الذي كان يشتعل ذات يوم، صار اليوم يمشي بلا شرارة.
ومع ذلك، بقي السؤال معلقًا في داخله: هل يعود القلب ليحب من جديد، أم أن بعض النهايات تتركنا نعيش على ذكرى ما كان فقط؟
وهكذا، تعلّم أن الحب لا يُدفن بسهولة… لكنه أحيانًا يترك صاحبه حيًّا، بينما هو منطفئ من الداخل.