
حين يتحول الهاتف إلى فتيل حريق
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للتعبير أو نافذة لتبادل الأفكار، بل تحولت في كثير من المجتمعات الهشة إلى قوة قادرة على إشعال الفوضى أسرع من أي سلاح تقليدي. الكلمة اليوم لا تحتاج إلى منبر ولا إلى مؤسسة إعلامية ولا حتى إلى حد أدنى من المسؤولية؛ يكفي هاتف صغير، وشخص يفتقر إلى الوعي والضمير، وجمهور مستعد للتصديق والانفعال، حتى تبدأ سلسلة من الخراب يصعب إيقافها.
المشكلة ليست في التقنية نفسها، بل في البيئة التي تستقبلها. حين تدخل هذه المنصات إلى دول تفتقر إلى مؤسسات قوية، وقوانين رادعة، وتعليم نقدي يميز بين الحقيقة والتضليل، فإنها لا تعمل كأداة للتقدم، بل تتحول إلى ساحة مفتوحة للفوضى المنظمة. هناك يصبح الجاهل مؤثرًا، والمبتذل قائد رأي، وصاحب الصوت الأعلى أكثر حضورًا من صاحب الفكرة الأعمق.
الأخطر من ذلك أن كثيرًا من المحتوى لا يصدر عن معرفة أو مسؤولية، بل عن نزوة عابرة، أو غضب لحظي، أو رغبة رخيصة في لفت الانتباه. منشور واحد كُتب بانفعال، أو إشاعة أُطلقت بلا تحقق، أو مقطع مصور خارج سياقه، قد يكون كافيًا لإشعال فتنة اجتماعية، أو تحريض شارع، أو تدمير سمعة إنسان، وربما دفع الناس إلى العنف وسفك الدماء. الكارثة هنا أن الفاعل قد لا يدرك أصلًا حجم ما صنع، لأنه كتب كلماته بخفة من يلهو، بينما يتلقاها الآخرون بثقل من يصدق ويغضب ويتحرك.
في المجتمعات غير المحصنة، لا تتحرك الجماهير دائمًا بالعقل، بل كثيرًا ما تُقاد بالعاطفة والانفعال السريع. وهنا تصبح المنصات الرقمية أخطر من السلاح، لأن الرصاصة تقتل فردًا، أما الشائعة فقد تقتل مدينة كاملة من الداخل. إنها تزرع الشك، وتغذي الكراهية، وتمنح الرداءة سلطة لم تكن تحلم بها في زمن آخر.
لهذا فإن الحديث عن حرية مطلقة في استخدام هذه الوسائل دون ضوابط قانونية ومؤسسية ليس دفاعًا عن الحرية، بل تواطؤ مع الفوضى. المجتمعات التي لم تبنِ بعد منظومة عدالة صارمة، ولم تؤسس وعيًا عامًا قادرًا على الفرز، تحتاج أولًا إلى حماية نفسها قبل أن تفتح الأبواب على مصاريعها أمام هذا الطوفان الرقمي.
ليست القضية في منع الناس من الكلام، بل في منع العبث من أن يرتدي ثوب الرأي العام. فحين يصبح الجهل مؤثرًا، والابتذال بطولة، والتحريض محتوى يوميًا، لا تعود المنصة وسيلة تواصل، بل تتحول إلى سلاح تدمير شامل، صامت في شكله، لكنه مدوٍّ في نتائجه.