--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.
الثقافة والفن

حين يتقدّم الضجيج ويُهمَّش المعنى

نُشر في ١١‏/٤‏/٢٠٢٦، ٣:٢٦:١٦ م

21699.jpg

حين يتقدّم الضجيج ويُهمَّش المعنى:

في كل مجتمع، هناك لحظات تبدو فيها الكفّة مختلّة على نحوٍ يثير القلق: حين تتراجع القيمة لصالح الظهور، ويُزاح الفكر لحساب الاستعراض، وتُدفع الجدية إلى الهامش بينما تتقدّم الموضوعات السطحية كأنها معيار العصر. عندها لا يعود السؤال عن “ماذا يحدث؟” بل عن “كيف وصلنا إلى هنا؟”.

ليس الأمر مجرّد اختلاف طبيعي بين الأذواق أو تنوّع في الاهتمامات. فكل مجتمع حيّ يعرف تعددية في المزاج الثقافي، بين الجاد والخفيف، بين العميق والعابر. لكن الخلل يبدأ عندما تختلّ البوصلة، فيصبح الهامش هو المركز، ويُقاس النجاح بعدد المتابعين لا بعمق الأثر، ويُكافأ الضجيج لا الفكرة.

في مثل هذه اللحظات، لا يحتاج التافهون إلى كثير جهد ليتصدروا المشهد؛ يكفي أن ينسحب أصحاب المعنى خطوة إلى الوراء. الفراغ الذي يتركه الجادون لا يبقى فارغًا طويلًا، بل يُملأ فورًا بما هو أسرع انتشارًا، أسهل هضمًا، وأكثر ضجيجًا. وهكذا، تتحول المنصات العامة إلى مسارح مفتوحة للسطحية، بينما تُدفع الأسئلة الكبرى إلى الظل.

المشكلة ليست في وجود “التفاهة” بحد ذاتها؛ فكل مجتمع يحتوي على هامش من العبث والخفة، وهذا جزء من الطبيعة البشرية. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تصبح التفاهة هي اللغة السائدة، وعندما يُعاد تعريف القيمة بحيث تتكيف مع الأسهل لا مع الأعمق، ومع الأكثر انتشارًا لا مع الأكثر صحة.

عندها فقط يمكن ملاحظة التحول الأخطر: تغيّر الذوق العام دون أن يشعر أحد. يتراجع الاهتمام بالمعرفة، ويبهت حضور النقاشات الجادة، وتصبح المفاهيم الكبرى مثل الوعي، والمسؤولية، والفكر النقدي، كلمات ثقيلة لا مكان لها في سوق سريع الإيقاع. وفي المقابل، تتضخم المحتويات السريعة، المختزلة، التي لا تطلب من المتلقي سوى الانتباه اللحظي ثم النسيان.

لكن الحكم على مجتمع كامل بالفشل ليس وصفًا دقيقًا بقدر ما هو نتيجة انفعالية. فالمجتمعات لا تنهار فجأة بسبب انحراف في الذوق العام، بل تتعرض لاهتزازات مستمرة بين الوعي والسطحية، بين من يحاولون التأسيس وبين من يكتفون بالاستهلاك. وما يبدو “هيمنة للتفاهة” قد يكون أحيانًا مجرد ضجيج أعلى من المعتاد، لا أكثر.

ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعًا ومُلِحًّا: من يمنح المساحة؟ ومن ينسحب؟ ومن يقرر ما يستحق أن يُسمع؟

المجتمع الذي يترك منصاته العامة بلا معيار واضح للقيمة، ويكتفي بقياس الحضور بالأرقام لا بالمضمون، يغامر تدريجيًا بفقدان توازنه. لأن المعنى، بخلاف الضجيج، لا يفرض نفسه بالصوت العالي، بل يحتاج إلى بيئة تحميه، وإلى جمهور يختار أن يصغي لا أن يمرّ فقط.

في النهاية، ليست المعركة بين “الجادين” و“التافهين” كما تبدو على السطح، بل بين انتباهٍ يُدار بوعي، وانتباهٍ يُسحب بلا مقاومة. وبين مجتمع يختار أن يرفع معيار السؤال، ومجتمع يرضى أن يُستبدل السؤال بترند عابر.

وحين تختلط هذه الحدود، يصبح الإصغاء نفسه فعلاً مقاومًا، ويصبح اختيار المعنى موقفًا لا مجرد ذوق.