
حين يُباع التراب… هل نسمع صدى النكبة من جديد، معلومات تؤكد أن العصابات الصهيونية تشتري أراض من درعا وحوض اليرموك.
ليست المسألة خبراً عابراً يمكن تجاوزه، ولا إشاعة تُرمى في فضاء القلق السوري المزدحم أصلاً بالمخاوف. ما يُتداول اليوم عن عمليات بيع أراضٍ في الجنوب السوري، في درعا وحوض اليرموك تحديداً، يستدعي وقفة لا يشوبها إنكار ساذج ولا تهويل غير مسؤول، بل قراءة واعية تستحضر دروس التاريخ قبل أن يُعيد نفسه بطريقة أكثر قسوة.
قبل نكبة فلسطين عام 1948، لم تبدأ الحكاية بجيوشٍ تعبر الحدود، بل بدأت بوثائق، بعقود بيع، بأسماء تبدو فردية لكنها كانت جزءاً من مشروع أكبر. كانت الأرض تُنقل “قانونياً” من يدٍ إلى أخرى، بينما الغفلة السياسية والانقسام الداخلي يفتحان الطريق لما هو أخطر. وحين استيقظ الناس، لم تكن المشكلة في ورقة الطابو، بل في واقعٍ تغيّر بالكامل.
اليوم، حين تُطرح روايات عن شراء مساحات واسعة من الأراضي، وعن زيارات لوفود أجنبية تتفقد مواقع وتستحضر “روايات تاريخية” لتثبيت claims قديمة، فإن السؤال لا يكون: هل الخبر دقيق بالكامل أم لا؟ بل: ماذا لو كان جزء منه صحيحاً؟ وهل نملك ترف الانتظار حتى تتضح الصورة بعد فوات الأوان؟
المشكلة لا تكمن فقط في البيع، بل في البيئة التي تسمح به. دولة منهكة، اقتصاد متداعٍ، مجتمع مضغوط حتى حدّ الاختناق—كلها عوامل تجعل الأرض، التي كانت دائماً عنوان الكرامة والسيادة، تتحول عند البعض إلى وسيلة نجاة فردية. هنا تحديداً تبدأ الكارثة: حين يصبح القرار فردياً في قضية هي جوهرها وطني.
إن أخطر ما في هذه الروايات ليس مضمونها فحسب، بل الإحساس بالعجز الذي قد يتسلل إلى النفوس. وكأن ما يحدث قدرٌ لا يمكن رده. لكن التاريخ نفسه يعلّمنا أن الكارثة لم تكن حتمية، بل نتيجة تراكمات من الإهمال، والإنكار، والتأخر في الفعل.
لا أحد يملك اليوم دليلاً قاطعاً على أن الجنوب السوري يسير نحو سيناريو مشابه لفلسطين قبل النكبة، لكن المؤكد أن التشابه في البدايات يفرض الحذر. الأرض ليست مجرد ملكية خاصة، بل هي جزء من الأمن القومي، من الهوية، من المستقبل. وأي تعامل معها خارج هذا الإطار هو مقامرة لا يتحمل السوريون كلفتها.
ما يحتاجه السوريون اليوم ليس الذعر، بل اليقظة. ليس الاتهامات المتبادلة، بل الشفافية والمساءلة. ليس الانقسام، بل إدراك أن ما يُفقد من الأرض لا يُستعاد بسهولة—وأن ما يُكتب اليوم بعقود قد يُرسم غداً على الخرائط.
حين يُباع التراب بصمت، فإن الصوت الوحيد القادر على كسر هذا الصمت هو وعي الناس. فالتاريخ لا يعيد نفسه لأن الظروف تتطابق، بل لأن البشر يكررون الأخطاء نفسها… فهل نكررها نحن أيضاً؟