--:--
تعثر محتمل في مفاوضات السلام بين واشنطن وطهران وسط تصعيد في الخطاب العسكري تصعيد متبادل في الشمال وتحذيرات إسرائيلية من جبهة متعددة مع لبنان وإيران الحرس الثوري الإيراني يعلن تنفيذ “ضربة تأديبية” ويزعم استهداف مواقع عسكرية أمريكية في الأردن محاولات “تطبيع قسري” للوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري وسط اتهامات بالضغط الأمني واستغلال ملف المعتقلين القيادة المركزية الأمريكية تنفي أن تكون إيران قد استهدفت اي سفينة أمريكية وكالة مهر الإيرانية، بدأت ايران المرحلة الأولى من العمليات الهجومية بواسطة الصواريخ والمسيرات .
العالم

إسرائيل وإيران: تفوق الميدان وحدود الحسم الاستراتيجي

نُشر في ١١‏/٦‏/٢٠٢٦، ٨:٤٢:١٠ ص

45883.jpg

إسرائيل وإيران: تفوق الميدان وحدود الحسم الاستراتيجي

تتعامل العقيدة الأمنية الإسرائيلية مع إيران بوصفها الخصم الأكثر تعقيدًا في البيئة الإقليمية، ليس فقط بسبب قدراتها العسكرية المتنامية، بل نتيجة امتلاكها منظومة متشابكة من النفوذ السياسي والعسكري تمتد عبر أكثر من ساحة في الشرق الأوسط. ومن هذا المنظور، لم تعد المواجهة تُختزل في ملف نووي أو صاروخي، بل باتت تُرى كمشروع إقليمي واسع يسعى إلى إعادة صياغة توازنات القوى. لذلك طوّرت تل أبيب مقاربة تقوم على المزج بين القوة الصلبة والأدوات غير المباشرة، بهدف كبح تمدد هذا النفوذ ومنعه من التحول إلى مركز ثقل إقليمي قادر على فرض قواعد جديدة.

هذه المقاربة اعتمدت على طبقات متعددة من العمل: ضربات عسكرية دقيقة تستهدف البنية القيادية والعسكرية، عمليات استخبارية عميقة تهدف إلى التغلغل داخل المنظومة الإيرانية، تحالفات إقليمية ودولية لتطويق النفوذ الإيراني، إضافة إلى أدوات اقتصادية ونفسية تستهدف استنزاف القدرة على الاستمرار وإضعاف تماسك الداخل. ومع الوقت، لم يعد الهدف مقتصرًا على احتواء الخطر، بل اتجه نحو محاولة إحداث تأثيرات بنيوية تمسّ بنية الدولة نفسها، عبر الرهان على أن الضغط الخارجي قد يفتح الباب أمام تفكك داخلي تدريجي.

لكن اختبار هذه الرؤية في مواجهة مباشرة واسعة أظهر مفارقة واضحة: فبينما حققت العمليات العسكرية والاستخبارية نتائج لافتة على مستوى التنفيذ، لم تنجح في إنتاج تحول سياسي أو استراتيجي موازٍ. صحيح أن الضربات أصابت أهدافًا حساسة وأظهرت مستوى متقدمًا من الاختراق، إلا أن ذلك لم يترجم إلى انهيار في بنية الدولة الإيرانية أو إلى شلل في مؤسساتها الحيوية. على العكس، أبدت طهران قدرة على امتصاص الصدمة وإعادة تنظيم صفوفها، مع استمرار مركزية القرار السياسي والعسكري.

الأهم من ذلك أن الرهان على تفعيل الداخل الإيراني عبر الضغط الخارجي لم يؤتِ ثماره المتوقعة. فبدل أن يؤدي التصعيد إلى تفكك اجتماعي أو احتجاجات واسعة تقوّض النظام، ظهرت مؤشرات على تماسك نسبي في اللحظة الحرجة، بل وحتى على نوع من الالتفاف حول مؤسسات الدولة في مواجهة الخطر الخارجي. وهكذا، تبيّن أن الفجوة بين النجاح العملياتي والنتيجة السياسية كانت أوسع مما قُدّر له في الحسابات الأولية.

جوهر الإشكال لا يكمن في ضعف الأدوات المستخدمة، بل في الافتراضات التي قامت عليها الاستراتيجية نفسها. إذ جرى إسقاط نماذج مستمدة من صراعات مع فاعلين غير دولتيين على حالة دولة مركزية تمتلك مؤسسات راسخة وتجربة طويلة في إدارة الصراع. هذا الاختلاف البنيوي جعل من الصعب تحويل التفوق العسكري إلى تغيير سياسي، وأثبت أن تماسك الدولة وقدرتها على إعادة إنتاج نفسها عامل حاسم في معادلة الصمود.

في ضوء هذه النتائج، يبدو أن النقاش داخل دوائر صنع القرار بات يتحرك بين ثلاثة مسارات رئيسية: استمرار الضغط الشامل بهدف إضعاف النظام تدريجيًا، أو التركيز على منع تعاظم القدرات العسكرية دون السعي لتغيير داخلي سريع، أو العودة إلى إدارة الصراع ضمن إطار طويل الأمد يقوم على الاستنزاف والاحتواء. ومع تراجع جاذبية الخيار الأكثر تطرفًا، تميل التقديرات إلى مقاربة أكثر حذرًا تقوم على ضبط التوقعات بدل الرهان على الحسم.

في المحصلة، لا تشير التطورات إلى انهيار في الاستراتيجية الإسرائيلية بقدر ما تكشف حدودها الفعلية عندما تصطدم بواقع دولة قادرة على التكيّف. فالتفوق في الميدان لا يضمن بالضرورة نتائج سياسية حاسمة، خصوصًا في صراعات طويلة الأمد تتداخل فيها البنية الداخلية مع عناصر القوة الإقليمية. ومن هنا، يبدو أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة حسم، بل مرحلة إدارة مستمرة لصراع مفتوح، تتغير فيه الأدوات بينما تبقى المعادلة الأساسية بلا حل نهائي واضح.

برأيي، أهم ما تكشفه هذه التجربة هو أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة تُحسم فيها الصراعات بالضربات السريعة أو التفوق الاستخباري وحده. فالقوة اليوم تُقاس بقدرة الأطراف على تحويل الإنجاز العسكري إلى نتائج سياسية قابلة للاستمرار، وهذه الحلقة بالتحديد ما زالت الأكثر تعقيدًا في كل معادلات المنطقة.