--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.
الثقافة والفن

إيران 1953: النفط الذي أسقط حكومة… وصنع تاريخاً لم ينتهِ بعد

نُشر في ١٥‏/٤‏/٢٠٢٦، ٤:٢٩:٤٤ م

22938.jpg

إيران 1953: النفط الذي أسقط حكومة… وصنع تاريخاً لم ينتهِ بعد

في تلك اللحظة التي بدت فيها إيران وكأنها تمدّ يدها لأول مرة إلى ثروتها، لم يكن ما يجري مجرد خلاف اقتصادي مع شركة نفط، بل كان اصطداماً بين فكرة قديمة جداً عن العالم، وفكرة جديدة كانت تحاول أن تولد.

لم تكن القضية يوماً اسمها "النفط" فقط، رغم أن النفط كان في قلب كل شيء. كانت القضية: من يملك القرار في بلد ينام فوق بحر من الثروة ويستيقظ كل يوم على فقره؟

في مطلع الخمسينيات، كانت إيران لا تزال تحت ظل نظام ملكي يقوده الشاه محمد رضا بهلوي، لكن السلطة الفعلية كانت متداخلة بين القصر، والنخبة، والوجود البريطاني الثقيل الذي تمثل في شركة النفط الأنجلو-إيرانية، التي ستعرف لاحقاً باسم بريتيش بتروليوم. شركة لم تكن ترى في إيران شريكاً، بل مصدراً خاماً يُدار من الخارج ويُستخرج منه الربح ويُعاد إليه الفتات.

في هذا المناخ ظهر محمد مصدق، رجل من طبقة أرستقراطية لكنه كان يحمل حسّاً قانونياً صارماً تجاه السيادة. لم يكن ثائراً رومانسياً ولا رجل صدام أيديولوجي، بل كان مؤمناً بفكرة بسيطة وخطيرة في آن: أن ما تحت الأرض يجب أن يخدم من فوقها.

حين طرح مشروع تأميم النفط، لم يكن يدرك أنه يفتح باب مواجهة مع منظومة إمبراطورية كاملة. لكن البرلمان الإيراني تبنّى القرار في لحظة تاريخية، وتحوّل التأميم إلى فعل سيادي غير مسبوق في الشرق الأوسط الحديث. وهكذا وُلدت لحظة المواجهة.

ردّ الفعل لم يتأخر. بريطانيا رأت في القرار تهديداً مباشراً لنموذجها الاقتصادي الإمبراطوري، فبدأت بحصار اقتصادي خانق، ومنعت تصدير النفط الإيراني، ورفعت القضية إلى المحاكم الدولية، بينما كانت في الداخل الإيراني تدفع نحو انهيار اقتصادي تدريجي يخلق بيئة سياسية قابلة للانفجار.

لكن اللعبة لم تعد بريطانية وحدها. مع صعود الحرب الباردة، دخلت الولايات المتحدة على الخط، لا من بوابة النفط فقط، بل من بوابة الخوف من تمدد النفوذ السوفييتي. وهنا تداخلت المصالح مع الذريعة: الشيوعية.

في واشنطن ولندن، تبلورت فكرة إسقاط حكومة مصدق عبر عملية سرية حملت اسم عملية أجاكس (Ajax) في الأدبيات الأمريكية و"عملية بوت" في البريطانية. لم تكن العملية تعتمد على الجيوش، بل على شيء أكثر دقة وأقل كلفة: تفكيك الداخل من الداخل.

في قلب هذه العملية برز اسم كيرميت روزفلت، ضابط الاستخبارات الأمريكية، حفيد الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، الذي دخل طهران محمّلاً بميزانية سرية وأدوات غير تقليدية: شراء ولاءات، تمويل صحف، تحريك الشارع، وصناعة فوضى محسوبة تبدو كأنها غضب شعبي.

لم يكن الهدف أن تُهزم حكومة مصدق في معركة، بل أن تُفقد شرعيتها في الشارع. فجأة، امتلأت طهران بمظاهرات متناقضة الاتجاهات، بعضها يهاجم مصدق باسم الدين، وبعضها يتهمه بالشيوعية، وبعضها مجرد أدوات مأجورة في مسرح سياسي كبير.

في الأيام الفاصلة من أغسطس 1953، بدأت الدولة تتفكك من داخلها. الجيش، الذي كان يفترض أن يكون عمود النظام، أصبح ساحة تردد، ثم ساحة حسم. وفي لحظة مفصلية، انهارت الحكومة المنتخبة، وسقط مصدق، وبدأ فصل جديد من تاريخ إيران.

ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد تغيير حكومة. كان إعادة هندسة كاملة للدولة.

عاد الشاه إلى السلطة مدعوماً بمظلة أمريكية-بريطانية، وبدأت مرحلة جديدة أعيد فيها تنظيم قطاع النفط ضمن كونسورتيوم دولي، بقيت فيه السيطرة الفعلية بيد الشركات الغربية، وإن تحسنت حصة إيران على الورق فقط.

أما الداخل الإيراني، فقد دخل مرحلة أخرى أكثر تعقيداً: بناء جهاز أمني صارم هو السافاك، الذي تأسس بدعم وتدريب من أجهزة غربية، ليصبح أداة ضبط سياسي واجتماعي شديد القسوة، هدفه منع تكرار لحظة 1953 بأي ثمن.

في تلك اللحظة أيضاً، تشكّل ما هو أعمق من السياسة: تشكّل الوعي الجمعي الإيراني الجديد، الوعي الذي بدأ يرى أن الإرادة الوطنية يمكن أن تُكسر، لكن لا يمكن أن تُمحى.

وحين يُروى سقوط مصدق، لا يُروى كحادثة سياسية فقط، بل كصدع في فكرة السيادة ذاتها. حتى الشاه نفسه، الذي عاد إلى عرشه على ظهر تلك العملية، نُقل عنه قوله لكيرميت روزفلت إنه مدين بعرشه لله ثم له، جملة تلخص لحظة فقدان التوازن بين الدولة المستقلة والوصاية الخارجية، حتى وإن بقيت تلك العبارة محل تداول تاريخي أكثر من كونها وثيقة رسمية.

لكن التاريخ لا يتوقف عند لحظة الانقلاب. ما لم يفهمه صانعو القرار في لندن وواشنطن أن كسر لحظة سياسية قد ينتج جيلاً كاملاً من الرفض المؤجل.

فبعد ربع قرن فقط، انفجرت التراكمات في الثورة الإيرانية 1979، حين سقط نظام الشاه نفسه، لا بعملية سرية هذه المرة، بل بانتفاضة شعبية واسعة أعادت تعريف الدولة والشرعية والسلطة من جذورها.

وهكذا، لم يكن انقلاب 1953 مجرد حدث في الماضي، بل كان بداية سلسلة طويلة من ردود الفعل المتراكمة. كل خطوة فرضت من الخارج كانت تترك أثراً في الداخل، وكل استقرار ظاهري كان يخفي تحت سطحه سؤالاً لم يُجب عنه أحد: من يملك إيران فعلاً؟

واليوم، حين تعود لغة العقوبات والضغط الأقصى والحصار الاقتصادي، تبدو الأدوات مختلفة في الشكل، لكنها مألوفة في الجوهر. ليست الحرب على البرنامج النووي وحده، بل على فكرة أقدم: أن دولة ما يمكن أن تقرر مصير ثروتها بمعزل عن العالم.

لكن إيران التي وُلدت من تجربة 1953 لم تعد تلك الدولة التي يمكن إسقاط حكومتها بمليون دولار ومظاهرة مرتبة. لقد أصبحت دولة محصنة بالتجربة، مثقلة بالتاريخ، ومتشبعة بفكرة واحدة لا تموت بسهولة: أن الثروة التي في الأرض ليست مجرد رقم في ميزان التجارة، بل جزء من معنى السيادة نفسه.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا إيران؟

بل: لماذا تتكرر القصة نفسها بأسماء مختلفة، بينما يبقى السؤال القديم بلا إجابة: من يملك الحق في أن يملك؟