
لبنان على مفترق التهدئة والتصعيد… مفاوضات دولية مكثفة و«حزب الله» يرفض معادلة «الضاحية مقابل الشمال»
يشهد المشهد اللبناني تطورات دقيقة في ظل تصاعد التوترات العسكرية والسياسية بين لبنان وإسرائيل، مع استمرار الغارات الإسرائيلية جنوب البلاد، وردود حزب الله عبر استهداف مستوطنات الشمال، في وقت تبقى فيه الضاحية الجنوبية لبيروت خارج نطاق الاستهداف المباشر حتى الآن، رغم استمرار الطلعات الجوية والاستطلاع الإسرائيلي المكثف.
وفي قلب هذا التصعيد، برز جدل واسع حول ما بات يُعرف بمعادلة «الضاحية مقابل مستوطنات الشمال»، وهي صيغة يرفضها حزب الله بشكل واضح، مؤكداً أن أي استهداف للضاحية سيقابله رد أوسع وأعمق داخل العمق الإسرائيلي، وأن العمليات ضد مستوطنات الشمال ستستمر طالما استمر العدوان على جنوب لبنان، ما يعكس تمسكه بقواعد اشتباك متحركة تمنع تثبيت معادلات ردع من طرف واحد.
في المقابل، تتكثف التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة، حيث برز دور ما يُعرف بالخماسية الدبلوماسية عبر اتصالات شملت قطر ومصر وفرنسا، إلى جانب قنوات أخرى غير مباشرة عبر أطراف إقليمية. كما يُنتظر وصول المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت خلال الساعات المقبلة، في إطار جولة تهدف إلى تثبيت التهدئة ومواصلة البحث في مستقبل القوة الدولية العاملة في جنوب لبنان.
داخلياً، تسود أجواء من التفاؤل الحذر في القصر الجمهوري في بعبدا، حيث تعتبر مصادر سياسية أن ما تحقق حتى الآن يشكل خرقاً مهماً في جدار التصعيد، ويمكن البناء عليه لفتح مسار تهدئة أكثر استقراراً. وتشير هذه المصادر إلى وجود تواصل مباشر بين الرئاسة اللبنانية وقيادة حزب الله، إضافة إلى قنوات مفتوحة عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري، بهدف منع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، مع تأكيد أن الوفد اللبناني في المحادثات الدولية بات جاهزاً لمناقشة أي مسودة اتفاق قد تُطرح شرط تثبيت خفض التصعيد كمرحلة أولى.
وعلى خط المفاوضات الدولية، تعمل الولايات المتحدة على تثبيت تفاهم مبدئي لوقف تبادل الهجمات، مع التركيز على خطوات عملية تشمل إعلان نوايا مشترك بين لبنان وإسرائيل، وتشكيل لجان أمنية وعسكرية لمتابعة التنفيذ، إلى جانب وضع جدول زمني لخفض التصعيد، رغم إدراك واشنطن أن ملف الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب لا يزال العقدة الأبرز أمام أي تسوية نهائية.
وفي هذا السياق، يتمسك حزب الله بموقفه القائم على ضرورة التوصل إلى اتفاق مكتوب وواضح يتضمن ضمانات محددة، وفي مقدمتها انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية الجنوبية. وتؤكد مصادر قريبة من الحزب أن أي تفاهم غير ملزم لا يمكن البناء عليه، وأن الحزب لن يقبل بصيغة تمنع عملياته ضد شمال إسرائيل مقابل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، معتبرة أن ما يجري حتى الآن لا يزال في إطار تفاهمات غير مكتملة ولم يدخل حيز التنفيذ الفعلي.
في المقابل، صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي من لهجته تجاه لبنان، مؤكداً أن إسرائيل لن تقبل باستمرار الهجمات من الأراضي اللبنانية دون رد، ومهدداً بإمكانية استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت في حال استمرار التصعيد، ومشدداً على أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته في الجنوب اللبناني تحت أي ظرف، بغض النظر عن المسارات السياسية أو الدبلوماسية الجارية.
وبين التصعيد الميداني المتبادل والحراك الدبلوماسي المكثف، يقف لبنان عند مرحلة حساسة تتداخل فيها حسابات الردع العسكري مع محاولات التسوية السياسية، في وقت لا تزال فيه صورة الاتفاق النهائي غير واضحة، ما يجعل المشهد مفتوحاً على احتمالات التهدئة أو الانفجار وفق تطورات الأيام المقبلة.