
"ليتنا بقينا أطفالًا، ليتنا لم نكبر يومًا."
ليست هذه جملة حنين عابر، بل هي اعتراف متأخر بأن الكِبر لم يكن دائمًا نعمة، وأن ما نسمّيه نضجًا كان في كثير من الأحيان خسارةً صامتة لما هو أبسط وأصدق في داخلنا.
نكبر، فنظن أننا نقترب من الفهم، بينما نحن في الواقع نتقن فنّ التبرير. نكبر، فنكتشف أن العالم لا يُدار بالعدالة التي تخيلناها، بل بتوازنات دقيقة من المصلحة والخذلان والصبر الإجباري. نكبر، فنفقد القدرة على الدهشة السهلة، تلك التي كانت تجعل من حجر صغير حدثًا، ومن وعد بسيط عالمًا كاملًا.
في الطفولة، لم تكن الأسئلة عبئًا. كنا نسأل لنفهم، لا لنُحاصَر بالإجابات. لم نكن نعرف أن بعض الأجوبة تأتي محمّلة بخيبة، وأن المعرفة أحيانًا لا تُنير الطريق بل تكشف قسوته فقط. أما اليوم، فنحن نعرف أكثر، لكننا نطمئن أقل.
الكِبر لا يعني فقط تغيّر الجسد، بل تغيّر الطريقة التي نُخفي بها أنفسنا عن أنفسنا. نصبح أكثر مهارة في الصمت حين نريد الصراخ، وأكثر قدرة على الابتسام حين نكون على وشك الانهيار. نتعلّم كيف نبدو بخير، لا كيف نكون بخير.
والمفارقة أن ما نبحث عنه طويلًا في حياتنا — الأمان، البساطة، الطمأنينة — هو ذاته ما كنا نملكه دون أن ندرك، حين كنا أطفالًا لا يسألون كثيرًا عن معنى الحياة لأنهم كانوا يعيشونها ببساطتها الخام.
لكن المشكلة ليست في الكِبر وحده، بل في الطريقة التي يسرق بها منا قدرتنا على العودة. لا يمكننا أن نصير أطفالًا من جديد، حتى لو اشتقنا. الزمن لا يعترف بالنوستالجيا، ولا يعيد توزيع البراءة مرة أخرى.
ومع ذلك، يبقى هذا الحنين نفسه دليلًا على أننا لم نفقد كل شيء. ما زال في داخلنا طفلٌ يرفض التصالح الكامل مع القسوة، طفلٌ يطرق من وقت لآخر أبواب الذاكرة، لا ليعود، بل ليذكّرنا أننا كنّا في يوم ما أكثر صدقًا مع أنفسنا.
"ليتنا لم نكبر" ليست دعوة للهرب من الحياة، بل تذكير بأن الكِبر الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات، بل بكمّ ما نفقده من إنسانيتنا ونحن نعيشها.
فإن كان لا بد أن نكبر، فليتنا نكبر دون أن نخسر الطفل الذي في داخلنا… لأن خسارته هي الكِبر الحقيقي الذي لا يُغتفر.