
مفاوضات واشنطن–طهران في ظل توتر إقليمي — بين الدبلوماسية المتعثرة والتهديد العسكري المتصاعد :
نقلت جيروزاليم بوست عن مصادر استخباراتية أن إدارة ترامب أبلغت طهران بأنها تتوقع حضور الوفد الإيراني، بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي، إلى اجتماعهم المقبل “بمضمون ذي مغزى” — إشارة واضحة إلى أن واشنطن تريد من إيران تقديم تنازلات ملموسة وليس مجرد جولة كلامية شكلية...
هذا التطور يأتي في سياق جولة من المفاوضات غير المباشرة في سلطنة عُمان بين وفدي البلدين، وسط مخاوف من تصعيد عسكري محتمل إذا فشلت الدبلوماسية في تحقيق تقدم حقيقة..
*مضمون المفاوضات وطابعها :
المباحثات الأخيرة في مسقط — التي عقدت يوم الجمعة — وصفتها المصادر بأنها “إيجابية” أو “بداية جيدة”، لكن دون تحقيق اختراقات جوهرية حتى الآن. الاتفاق بين الطرفين اقتصر على مواصلة الحوار، في حين بقيت الخلافات الأساسية غير منقولة إلى حل...
الجانب الإيراني أكد أنه يركز فقط على الملف النووي، مؤكدًا تمسّكه بحق طهران في تخصيب اليورانيوم، وهو ما رفضت واشنطن التنازل عنه دون مقابل واضح، بينما رفضت إيران التنازل عن هذا الحق كليًا.
من أجل إيران، تبقى مسألة الحقوق الأساسية للتخصيب النووي جزءًا من سيادتها الوطنية — وقد أشار عراقجي إلى أنه دخل هذه المفاوضات “بعيون مفتوحة” ومستعد للحوار، لكنه مصرّ على الاحترام المتبادل والاعتراف بحقوق بلاده...
في المقابل، تبدو إدارة ترامب أكثر طموحًا في مضمار المفاوضات: فهي لا تكتفي بالملف النووي، بل تريد توسيع نطاق الحوار ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية والإجراءات الإيرانية في المنطقة، مع ضغط اقتصادي وعسكري واضح...
* السياق الإقليمي والدولي :
لا يمكن فَصْل هذه الجولة من المفاوضات عن التوترات العسكرية المتصاعدة في المنطقة. تعزيز الوجود العسكري الأميركي بالقرب من المياه الإيرانية وتهديدات صريحة من ترامب وكذلك التحذيرات الإيرانية من الرد على أي هجوم أميركي، جميعها تضيف طبقة من التعقيد على طاولة الحوار...
إلى جانب ذلك، تلقى المسار الدبلوماسي دعمًا صحفيًا من أطراف دولية، وقد عبّر بعض اللاعبين الإقليميين والدوليين عن أملهم في نجاح هذه المفاوضات لتخفيف التصعيد ومنع اندلاع حرب جديدة...
* حيثيات الجولة الأولى وتقييمها :
الاتفاق على استمرار المفاوضات هو المؤشر الرئيسي الذي خرجت به جولة مسقط حتى الآن، لكنه ليس بحد ذاته اختراقًا في الأهداف الاستراتيجية المتباينة لكلا الطرفين. بعد الجولة، عاد الوفدان إلى عواصمهما لإجراء تشاورات مع القيادة العليا قبل استئناف الحوار، وهو ما يعكس عدم وجود اتفاق نهائي حول الإطار أو جدول الأعمال المكثّف حتى هذه اللحظة...
كما يُظهر واقع التفاوض أن الثقة بين الجانبين ضعيفة، وأن الماضي التفاوضي يحمل في طياته إحباطات سابقة، خصوصًا بعد جولات سابقة من المحادثات التي لم تثمر عن اتفاقيات ذات قيمة حقيقية...
ختاماً :
ما نراه اليوم في هذا المسار التفاوضي هو محاولة حقيقية لتفادي الانزلاق نحو مواجهة عسكرية واسعة، لكن الرهان على نجاح صفقات دبلوماسية معقدة في مثل هذه الظروف يظل هشًا.
الولايات المتحدة تسعى إلى تقييد القدرات الإيرانية النووية وتوسيع نطاق السيطرة الإقليمية، بينما إيران تبدي تمسّكًا بسيادتها وحقها في المسار النووي المدني. هذا الفرق في التوقعات لا يمكن تجاوزه بسهولة، خصوصًا في ظل الضغط المتبادل والتهديدات العسكرية المتزايدة.
لذلك، حتى وإن تم استئناف الحوار واستمرار المفاوضات، فإن الاحتمالات الواقعية تشير إلى أن مسار التفاوض سيظل متقلبًا، مع فرص محدودة لإبرام اتفاق شامل إلا إذا تم تخفيف التوترات العسكرية والسياسية على كلا الجانبين، فضلاً عن وجود ضمانات دولية موثوقة تعزز الثقة بين واشنطن وطهران.