
مشاركة «قسد» في الحكومة السورية بين التسريبات والواقع: تعديل وزاري أم إعادة تموضع سياسي؟
تتزايد في الأوساط السياسية والإعلامية التسريبات حول احتمال إجراء تعديل وزاري في دمشق يفتح الباب أمام مشاركة شخصيات محسوبة على «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) ضمن الحكومة السورية، بما يشمل الحديث عن مناصب رفيعة مثل نائب رئيس الجمهورية أو حقائب وزارية سيادية، في سياق اللقاءات الأخيرة بين الطرفين والجهود الرامية إلى تنفيذ تفاهمات الدمج ضمن مؤسسات الدولة.
ورغم أن بعض المحللين، ومنهم درويش خليفة، يذهبون إلى اعتبار هذه الخطوة مدخلاً عملياً لإعادة ترتيب العلاقة بين دمشق و«قسد»، فإن القراءة السياسية والعسكرية الأعمق تشير إلى أن المسألة أكثر تعقيداً من مجرد توزيع مناصب أو إجراء تعديل حكومي محدود.
فمن الناحية الاستراتيجية، لا تبدو الدولة السورية معنية بمنح «قسد» شرعية سياسية مستقلة داخل بنية الحكم بقدر ما تسعى إلى إعادة دمج مناطق شرق الفرات ومؤسساتها ضمن السيادة المركزية للدولة، وهو ما يجعل أي حديث عن مناصب سيادية مبكرة أقرب إلى الضغط السياسي أو جس النبض أكثر منه قراراً نهائياً.
عملياً، فإن منح مناصب مثل نائب رئيس الجمهورية أو وزارات سيادية لشخصيات مرتبطة بـ«قسد» يصطدم بعدة اعتبارات حساسة، أولها الطبيعة الأمنية والعسكرية لهذا الملف، حيث لا يزال ملف السلاح، والقيادة العسكرية، والسيطرة على الموارد النفطية، والعلاقة مع القوات الأمريكية، هو جوهر الخلاف الحقيقي، وليس مجرد التمثيل الحكومي.
فالدولة السورية، وفق منطقها التقليدي، لا تفاوض على السيادة ولا تقبل ببنية عسكرية موازية داخل حدودها، وبالتالي فإن أي دمج سياسي لا يمكن أن يسبق الحسم التدريجي لمسألة القوات المسلحة والقرار الأمني. وهذا ما يجعل الحديث عن شراكة سياسية كاملة قبل إنجاز الدمج العسكري أقرب إلى القفز فوق الوقائع.
يقال في هذا السياق أن الأولوية ليست للتعديل الوزاري بل لتنفيذ الاتفاق وضمان استمراره، فهو الأقرب إلى الواقع، لأن نجاح أي تفاهم لا يُقاس بعدد الحقائب الوزارية، بل بمدى قدرة الطرفين على بناء ثقة متبادلة، وإنهاء التناقض بين مشروع الدولة المركزية ومشروع الإدارة الذاتية الذي قامت عليه «قسد» طوال السنوات الماضية.
لذلك، فإن الحديث عن تعديل وزاري كبير يبدو حتى الآن سابقاً لأوانه، وربما يُستخدم كرسالة سياسية أكثر من كونه خطة تنفيذية جاهزة. فالأرجح أن المرحلة الحالية تتركز على بناء ترتيبات أمنية وإدارية تدريجية، تشمل المؤسسات المحلية، وإعادة انتشار بعض القوات، وتفاهمات حول المعابر والموارد، قبل الانتقال إلى أي صيغة تمثيل سياسي رسمي داخل الحكومة المركزية.
الخلاصة أن المسألة ليست «كم وزيراً ستنال قسد»، بل: هل ستتحول من قوة أمر واقع مدعومة خارجياً إلى جزء من الدولة السورية بشروط الدولة نفسها؟ هنا فقط يبدأ الحديث الجدي، وما دون ذلك يبقى في إطار المناورة السياسية والتسريبات الإعلامية أكثر منه تحولاً استراتيجياً حاسماً.