
قراءة في قصيدة جبران (سكن الليل) والتي أعطتها السيدة فيروز حقها في الخلود:
بالمناسبة هذه القصيدة ليست مجرد أغنية تُسمع، بل هي حالة وجدانية كاملة، أقرب إلى همسٍ ليليّ ينساب في الروح قبل الأذن، إنها من ذلك النوع من الغناء الذي يجعل الليل ليس وقتًا للسكوت فقط، بل فضاءً تتفتح فيه الأحلام وتُستعاد فيه الذاكرة والحنين...
الأغنية بصوت فيروز تنقلنا إلى عالم ملبّد بالسكون، حيث:
“سكن الليل وفي ثوب السكون تختبئ الأحلام”.
هنا لا ينام الليل، بل يحتضن الأحلام التي لا تجد مكانًا في ضجيج النهار، وكأن الشاعر يقول:
حين يهدأ العالم، تبدأ حقيقة الإنسان في الظهور...
في الأبيات، يظهر القمر ليس كعنصر طبيعي فقط، بل ككائن حي
“يسعى” و“يراقب الأيام”
وكأنه شاهد على ما يجري في القلوب...
هذه الإضاءة الرمزية تعكس حالة ترقب وانتظار، وربما حبٍّ خفيٍّ لا يجرؤ على الظهور في ضوء الشمس...
ثم تأتي الدعوة:
“فتعالي… يا ابنة الحقل نزور كرمة العشاق”
هذه ليست دعوة عابرة، بل دعوة إلى الهروب من واقعٍ ثقيل إلى فضاء الحب والبساطة...
“ابنة الحقل” هنا ترمز إلى البراءة والطبيعة، مقابل تعقيد المدينة أو قسوة الواقع...
أما “كرمة العشاق” فهي تحمل معنى التلاقي، حيث يُعصر الحب كما يُعصر العنب، ليصير خمرًا يُنسي الهموم:
“علّنا نطفي بذياك العصير حرقة الأشواق”
وهنا تتحول الرغبة إلى محاولة علاجية للألم العاطفي...
لكن القصيدة لا تكتفي بالرومانسية، بل تنسج خيوطًا من الخيال والأسطورة:
“لا تخافي يا فتاتي فالنجوم تكتم الأخبار”
في هذا السطر طمأنة، لكنها أيضًا اعتراف بأن هناك أسرارًا لا تُقال. النجوم هنا حارسة للأسرار، والليل هو الحاضن لكل ما لا يُفصح عنه...
ثم ينتقل النص إلى عوالم الجن والأسطورة:
“عروس الجن”، “ملك الجن”
وهذه الرموز ليست سوى مرآة للحب نفسه—حبٌّ غامض، عميق، لا يُفسَّر بسهولة، بل يشبه كائنًا خرافيًا يعيش في الظلال، وكأن الشاعر يقول إن الحب الحقيقي فيه من الغرابة والسرية ما يجعله أقرب إلى الأسطورة...
الأجمل في هذه القصيدة أنها تمزج بين الطمأنينة والخوف، بين الدعوة إلى الاقتراب والتنبيه إلى الغموض، فالليل هنا ليس مخيفًا، بل حاضنًا للأسرار، والنجوم ليست مجرد ضوء، بل شهود صامتون على حكايات القلب...
من حيث التكوين، القصيدة من كلمات الشاعر اللبناني جبران خليل جبران وقد لحنها الأخوين رحباني...
لقد غنّت فيروز هذه الأغنية ضمن فترة الستينيات، وهي المرحلة الذهبية من حيث كانت هذه الأعمال جزءًا من المسرحيات الغنائية والألبومات التي رسمت ملامح هوية الأغنية العربية الحديثة...
اخيرا:
“سكن الليل”
ليست فقط وصفًا لوقتٍ معين، بل هي وصف لحالة إنسانية كاملة:
لحظة هدوء، تُنصت فيها الروح إلى ذاتها، وتفتح فيها القلب أبوابه لأحلامٍ مؤجلة. إنها أغنية تُغنّى، لكنها في الحقيقة تُعاش—كأنها دعوة دائمة للعودة إلى الداخل، حيث يسكن المعنى الحقيقي للحياة.