--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.
الثقافة والفن

سهران وحدي… حين يتحول العشق إلى سهرٍ أبدي

نُشر في ١٥‏/٣‏/٢٠٢٦، ١٢:٠٦:٥١ ص

12069.jpg

(سهران وحدي… حين يتحول العشق إلى سهرٍ أبدي)
في تاريخ الغناء العربي لحظاتٌ قليلة استطاعت أن تُحوِّل القصيدة إلى حالة إنسانية كاملة، وأن تجعل المستمع يشعر كأنه يعيش التجربة لا يسمعها فقط. ومن تلك اللحظات الخالدة أغنية “سهران لوحدي” التي غنّتها أم كلثوم بكلمات الشاعر أحمد رامي وألحان الموسيقار رياض السنباطي. وقد قُدِّمت لأول مرة عام 1950، في مرحلة كان فيها الفن العربي يبلغ إحدى قممه الإبداعية، حين التقت الكلمة العميقة باللحن الشجي بالصوت الذي صار رمزاً للعاطفة العربية.
لم تكن هذه الأغنية مجرد عمل عاطفي عابر، بل كانت مرآةً لحالة إنسانية قديمة بقدم الحب نفسه: حالة العاشق الذي ينام العالم من حوله بينما يظل قلبه يقظاً في حضرة الذكرى.
يبدأ النص من لحظة سكون كوني:
( سهران لوحدي أناجي طيفك الساري
سابح في وجدي ودمعي عالخدود جاري)...
هنا يضعنا أحمد رامي أمام مشهدٍ شديد الصفاء والمرارة في آنٍ معاً. العالم نائم، والوجود ساكن، بينما العاشق وحده يسبح في بحرٍ من الوجد. ليس الحبيب حاضراً، لكن طيفه حاضر، وهذا الطيف يصبح شريك السهر والحديث. إنها صورة شعرية دقيقة تصف كيف يتحول الغياب إلى حضورٍ أشد إيلاماً من الحضور نفسه.
ثم تتسع دائرة الشعور حين يقول:
 (نام الوجود من حوالي وأنا سهرت في دنياي...
أشوف خيالك في عينيه وأسمع كلامك وياي)
هذه الثنائية بين الوجود النائم والقلب الساهر تعكس جوهر التجربة العاطفية. فالحب الحقيقي، كما يصوره رامي، لا يقاس بالقرب الجسدي، بل بقدرة الذكرى على احتلال الوجدان. يصبح الخيال هنا بديلاً عن الواقع؛ يرى العاشق صورة الحبيب ويسمع صوته، وكأن الحنين يعيد تشكيل العالم من جديد.
ويمضي النص في رحلة الذاكرة بين لحظتين متناقضتين:
 (ما بين نعيمي وأنس الروح ساعة رضاك...
وبين عذابي وطول النوح أيام جفاك)
إنها فلسفة الحب كما فهمها الشعر العربي، الرضا نعيمٌ كامل، والجفاء عذابٌ كامل، لا منطقة رمادية في العاطفة الصادقة. فالعاشق يعيش بين قمتين: قمة السعادة حين يرضى الحبيب، وقاع الألم حين يبتعد.
لكن المدهش في النص أن الشاعر يصل إلى لحظة مفارقة مؤلمة حين يقول:
(ولما بعدك عني طال حنيت لأيام الهجران)
هنا تتحول المأساة إلى ما يشبه القدر. فالعاشق، بعد طول البعد، يشتاق حتى إلى أيام الهجر نفسها، لأنها كانت على الأقل تحمل معنى العلاقة. إنها مرحلة يصل فيها الإنسان إلى التصالح مع الألم لأنه آخر ما تبقى من أثر الحبيب.

ويبلغ النص ذروة الأسى في قوله:
 (حتى الجفا محروم منه ياريتها دامت أيامه)
إنها جملة تكاد تختصر مأساة الحب كلها. فالعاشق الذي كان يتألم من الجفاء أصبح يتمنى عودته، لأن الجفاء ذاته كان شكلاً من أشكال الارتباط.
أما اللحن الذي صاغه رياض السنباطي فقد جاء مكملاً لهذه الحالة النفسية. السنباطي كان من أكثر الملحنين قدرة على تحويل القصيدة إلى مناخ موسيقي كامل. يبدأ اللحن هادئاً متأملاً، كأنه فعلاً سهرٌ طويل في ليلة ساكنة، ثم يتصاعد تدريجياً مع تصاعد الألم والحنين في الكلمات، حتى يشعر المستمع أن اللحن نفسه يسهر مع صاحبه.
وقد جاءت هذه الأغنية في مرحلة مهمة من مسيرة أم كلثوم، حين كانت قد رسخت مكانتها كصوتٍ عربيٍ استثنائي، لكنها كانت ما تزال تقدم أعمالاً تعتمد على الشعر الغنائي العميق واللحن الكلاسيكي الرصين قبل أن تدخل في مراحل لاحقة من التجديد الموسيقي. لذلك احتلت “سهران لوحدي” مكانة مميزة بين أغاني تلك الفترة، إلى جانب روائع أخرى رسخت ما يمكن أن نسميه العصر الذهبي للغناء الكلثومي.
لقد اجتمع في هذه الأغنية ثلاثة عناصر نادرة:
الشاعر الذي يفهم القلب الإنساني، والملحن الذي يعرف كيف يحول الكلمة إلى إحساس موسيقي، والمطربة التي تستطيع أن تجعل المستمع يعيش التجربة وكأنها جزء من حياته.
ولهذا بقيت “سهران لوحدي” أكثر من مجرد أغنية؛ إنها حكاية عاشق يسهر بينما ينام العالم… حكاية إنسان اكتشف أن الذكرى قد تكون أحياناً أقوى من الواقع، وأن القلب حين يحب حقاً قد يقضي عمره كله يناجي طيفاً عابراً في ليلٍ لا ينتهي.