
تقرير استخباراتي أميركي: إيران قادرة على الصمود أربعة أشهر تحت الحصار رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية
كشفت صحيفة “واشنطن بوست”، نقلاً عن تقييم استخباراتي سري لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، أن إيران ما زالت تمتلك قدرة كبيرة على الصمود في مواجهة الحصار البحري الأميركي، رغم التصعيد العسكري والاقتصادي الذي تقوده إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير الماضي.
وبحسب التقرير، فإن طهران تستطيع تحمّل الحصار البحري الأميركي لمدة تتراوح بين تسعين ومئة وعشرين يوماً، وربما لفترة أطول، قبل أن تدخل مرحلة الضغوط الاقتصادية الحرجة، وهو ما يتناقض مع التصريحات المتفائلة الصادرة عن البيت الأبيض بشأن قرب انهيار الاقتصاد الإيراني أو رضوخ القيادة الإيرانية لشروط واشنطن.
صمود اقتصادي رغم الخسائر
يشير التقييم الاستخباراتي إلى أن إيران اتخذت إجراءات استباقية لتخفيف آثار الحصار، شملت تخزين النفط على متن ناقلات بحرية كانت ستبقى معطلة بسبب إغلاق الموانئ، إضافة إلى خفض معدلات الإنتاج في بعض الحقول النفطية للحفاظ على جاهزية الآبار لأطول فترة ممكنة.
كما ترى الاستخبارات الأميركية أن إيران قد تتمكن من إيجاد متنفس اقتصادي محدود عبر تهريب النفط براً باستخدام الشاحنات وخطوط السكك الحديدية عبر آسيا الوسطى، رغم أن هذه البدائل لن تعوض الخسائر الضخمة الناتجة عن توقف التصدير البحري.
وتقدّر الإدارة الأميركية خسائر إيران اليومية بنحو خمسمئة مليون دولار نتيجة الحصار البحري الذي فرضته واشنطن عقب انهيار محادثات السلام الأميركية ـ الإيرانية التي جرت بوساطة باكستانية.
الحصار الأميركي ومشروع “الحرية”
ومنذ اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من فبراير، شهد الخليج توتراً غير مسبوق بعد إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، ما دفع الولايات المتحدة إلى إطلاق عملية بحرية واسعة لفرض حصار على الموانئ الإيرانية ومنع السفن التجارية من الوصول إليها.
كما أعلن ترمب لاحقاً إطلاق مهمة بحرية تحت اسم “مشروع الحرية”، هدفها مرافقة السفن التجارية وتأمين عبورها في مضيق هرمز، قبل أن يعلن تعليقها بعد ما وصفه بـ”تقدم كبير” في مسار المفاوضات السياسية.
وأكد الرئيس الأميركي مراراً أن الاقتصاد الإيراني “ينهار”، وأن العملة الإيرانية “فقدت قيمتها”، مشيراً إلى أن طهران باتت عاجزة حتى عن دفع رواتب قواتها العسكرية.
مفاجأة استخباراتية: خمسة وسبعون بالمئة من القدرات الصاروخية ما زالت قائمة
ورغم الخطاب الأميركي الذي تحدث عن “تدمير شامل” للقدرات الإيرانية، فإن التقييم السري لوكالة الاستخبارات المركزية يقدم صورة مختلفة تماماً.
فبحسب مسؤولين أميركيين مطلعين على التقرير، لا تزال إيران تحتفظ بنحو خمسة وسبعين بالمئة من منصات إطلاق الصواريخ المتحركة التي كانت تمتلكها قبل الحرب، إضافة إلى نحو سبعين بالمئة من مخزونها الصاروخي.
كما تمكنت طهران، وفق التقييم، من إعادة تشغيل معظم منشآت التخزين تحت الأرض، وإصلاح عدد من الصواريخ المتضررة، واستكمال تصنيع صواريخ كانت شبه جاهزة قبل اندلاع الحرب.
وتشير التقديرات الأميركية إلى أن إيران كانت تمتلك قبل الحرب قرابة ألفين وخمسمئة صاروخ باليستي، إضافة إلى آلاف الطائرات المسيّرة، التي استخدمت في استهداف قواعد ومواقع عسكرية أميركية وحليفة في المنطقة.
أضرار واسعة بالقواعد الأميركية
وفي تطور لافت، كشف تحقيق أجرته صحيفة “واشنطن بوست” أن الهجمات الإيرانية ألحقت أضراراً أو دمرت ما لا يقل عن مئتين وثمانية وعشرين منشأة أو قطعة معدات داخل مواقع عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، وهو رقم يفوق بكثير ما أعلنته واشنطن رسمياً.
ويرى محللون عسكريون أميركيون أن التهديد الإيراني لم يعد يعتمد فقط على الصواريخ الباليستية، بل بات يرتكز بصورة متزايدة على الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، التي يمكن تصنيعها بسهولة داخل منشآت صغيرة يصعب رصدها أو استهدافها.
القيادة الإيرانية أكثر تشدداً
وأشارت مصادر أميركية إلى أن القيادة الإيرانية أصبحت أكثر تشدداً وثقة بقدرتها على تحمّل الضغوط، معتبرة أن التجارب السابقة لأنظمة خضعت لحصار طويل أثبتت إمكانية الصمود لسنوات رغم الضربات الجوية والعقوبات الاقتصادية.
ورغم مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين في الضربات الأميركية والإسرائيلية، فإن بنية النظام الإيراني ما زالت متماسكة نسبياً، وفق التقييم الاستخباراتي.
مفاوضات غير محسومة
وفي خضم التصعيد، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أنها تدرس مقترحاً أميركياً جديداً لإنهاء الحرب، على أن يتم نقل الرد الإيراني عبر وسطاء باكستانيين خلال الأيام المقبلة.
ويبدو أن واشنطن، رغم تفوقها العسكري البحري والجوي، بدأت تواجه واقعاً أكثر تعقيداً مما توقعته، مع استمرار قدرة إيران على المناورة الاقتصادية والعسكرية، واحتفاظها بجزء مهم من أدوات الردع الاستراتيجي.