
ترمب يرفض الرد الإيراني.. وطهران توسّع سقف مطالبها بين التفاوض وكسب الوقت
رفض الرئيس الأميركي الرد الإيراني على المقترح الأميركي لإنهاء الحرب، واعتبره “غير مقبول إطلاقاً”، في موقف يعكس اتساع الفجوة بين الطرفين، رغم استمرار الاتصالات غير المباشرة عبر وسطاء إقليميين ودوليين.
الرد الإيراني لم يكن مجرد ملاحظات على المبادرة الأميركية، بل بدا كأنه إعادة صياغة كاملة لشروط إنهاء الحرب، مع إدخال ملفات استراتيجية وسيادية تتجاوز مسألة وقف إطلاق النار أو البرنامج النووي، لتشمل مضيق هرمز، العقوبات، التعويضات، وحتى الوضع في لبنان.
ما الذي رفضته واشنطن عملياً؟
الإدارة الأميركية لم تصدر بياناً تفصيلياً، لكن من خلال التسريبات والتصريحات يمكن فهم أن واشنطن رفضت أو تحفّظت على عدة نقاط رئيسية في الرد الإيراني، أبرزها:
1- ربط إنهاء الحرب بكل الجبهات
إيران طالبت بإنهاء العمليات ليس فقط ضدها، بل أيضاً في لبنان، بما يعني عملياً إدخال الملف الإسرائيلي – اللبناني ضمن الاتفاق.
هذا الشرط مرفوض أميركياً وإسرائيلياً، لأن واشنطن تريد اتفاقاً يخص الحرب الحالية والبرنامج النووي والملاحة البحرية، لا إعادة هندسة الصراع الإقليمي بالكامل.
2- الاعتراف بسيادة إيران على مضيق هرمز
هذه أخطر نقطة سياسياً واستراتيجياً.
طهران تريد اعترافاً عملياً بحقها في إدارة الممر البحري الأهم للطاقة عالمياً، وهو ما تعتبره واشنطن تهديداً مباشراً لحرية الملاحة الدولية وللتوازن العسكري في الخليج.
القبول بهذا البند يعني عملياً:
- منح إيران نفوذاً قانونياً وسياسياً على شريان الطاقة العالمي.
- تكريس نتائج الحرب لمصلحة طهران.
- تقويض الدور الأميركي البحري في الخليج.
ولهذا بدا واضحاً أن هذا البند وحده كافٍ تقريباً لإسقاط المبادرة.
3- رفع العقوبات سريعاً خلال 30 يوماً
واشنطن تريد ربط رفع العقوبات بخطوات إيرانية ملموسة وطويلة الأمد، خصوصاً في الملف النووي.
أما إيران فطرحت:
- رفع العقوبات سريعاً.
- الإفراج عن الأموال المجمدة.
- إنهاء الحصار البحري.
- السماح بتصدير النفط.
كل ذلك قبل حسم الملفات الجوهرية.
وهذا بالنسبة لواشنطن يعني خسارة أهم أوراق الضغط مسبقاً.
4- رفض تفكيك المنشآت النووية
إيران وافقت فقط على:
- تعليق مؤقت للتخصيب.
- تخفيف جزء من مخزون اليورانيوم.
- نقل جزء آخر إلى دولة ثالثة بضمانات.
لكنها رفضت:
- تفكيك المنشآت.
- التخلي الكامل عن البنية النووية.
- وقفاً طويلاً للتخصيب كما تريد واشنطن.
وهنا تكمن العقدة الأساسية؛ لأن الإدارة الأميركية ترى أن أي اتفاق لا يزيل “قدرة الاختراق النووي السريع” سيعيد الأزمة بعد أشهر أو سنوات.
5- المطالبة بتعويضات أميركية
هذا البند سياسي أكثر منه عملي.
إيران أرادت تثبيت رواية أنها “الطرف المتضرر المنتصر الصامد”، وليس الطرف الذي جاء يطلب وقف الحرب بشروط أميركية.
لكن واشنطن تعتبر التعويضات اعترافاً ضمنياً بالمسؤولية القانونية والسياسية عن الحرب، وهو أمر شبه مستحيل أميركياً.
هل ما فعلته إيران مهارة تفاوضية أم رفض مقنّع؟برأيي، ما قامت به طهران يجمع بين الأمرين معاً:
أولاً: نعم.. هناك مهارة تفاوضية واضحة
إيران تفاوض دائماً وفق مبدأ:
“ارفع السقف إلى الحد الأقصى، ثم ابدأ التراجع التدريجي.”
وهي تعلم أن:
- واشنطن لا تريد حرباً طويلة.
- الاقتصاد العالمي يتضرر من أزمة هرمز.
- أسعار الطاقة تضغط على الغرب.
- الانتخابات والحسابات الداخلية الأميركية تجعل الوقت حساساً.
لذلك تحاول طهران:
- تحويل الضغط العسكري إلى مكاسب سياسية.
- تثبيت نفسها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
- إدخال ملفات إضافية للمساومة لاحقاً.
هذه مدرسة تفاوض إيرانية قديمة تعتمد على:
- الصبر الطويل.
- توسيع ملفات التفاوض.
- خلط العسكري بالسياسي.
- استخدام عامل الوقت.
وقد استخدمتها إيران سابقاً في:
- الملف النووي.
- العراق.
- سوريا.
- اليمن.
- مفاوضات تبادل السجناء.
- وحتى في اتفاق 2015.
أعتقد بنسبة كبيرة: نعم.
والسبب أن بعض المطالب لم تُطرح لتُقبل، بل طُرحت لأهداف أخرى.
لماذا؟
1- لتجنب الظهور بمظهر المنهزم
إيران بعد حرب استمرت أسابيع، لا تستطيع داخلياً أن تظهر وكأنها قبلت بشروط أميركية مباشرة.
لذلك رفعت السقف كي تقول لشعبها:
- لم نستسلم.
- فرضنا شروطاً.
- طالبنا بتعويضات.
- تمسكنا بهرمز والسيادة.
وهذا مهم جداً للنظام الإيراني في معركته الداخلية المعنوية.
2- لكسب الوقت العسكري والسياسي
كل يوم تفاوض إضافي يمنح إيران:
- فرصة لإعادة التموضع العسكري.
- حماية أو نقل مخزون اليورانيوم.
- إعادة تنظيم الدفاعات.
- اختبار الموقف الروسي والصيني.
- مراقبة الانقسام داخل واشنطن.
إيران تاريخياً تستخدم التفاوض أحياناً كأداة إدارة أزمة لا كطريق سريع للحل.
3- لاختبار حدود ترمب
طهران تريد معرفة:
- هل ترمب مستعد فعلاً للتصعيد؟
- أم أنه يفضّل صفقة مهما كانت؟
- وما حدود الضغط الإسرائيلي عليه؟
لذلك قدّمت شروطاً قاسية لترى أين سيتراجع الأميركي وأين يتشدد.
4- لنقل مركز النقاش من “النووي” إلى “الأمن الإقليمي”
وهذه نقطة ذكية جداً.
بدلاً من أن تبقى إيران متهمة فقط بملف التخصيب، تحاول تحويل نفسها إلى:
- لاعب أمني إقليمي.
- شريك في أمن الطاقة العالمي.
- قوة تتحكم بالممرات البحرية.
أي أنها تريد التفاوض باعتبارها “قوة عظمى إقليمية”، لا “دولة متهمة نووياً”.
ماذا بعد؟السيناريو الأرجح حالياً ليس الحرب الشاملة الفورية، بل:
- استمرار الضغط العسكري المحدود.
- تشديد الحصار البحري.
- استمرار التفاوض غير المباشر.
- محاولات روسية وصينية لمنع الانفجار الكبير.
- وربما صيغة مرحلية مؤقتة.
لكن المشكلة الحقيقية أن الفجوة بين الطرفين أصبحت “فجوة تعريف للانتصار”:
- واشنطن تريد تقليص القوة النووية والعسكرية الإيرانية.
- وطهران تريد تحويل صمودها العسكري إلى اعتراف سياسي واستراتيجي.
ولهذا يبدو أن الطريق إلى اتفاق حقيقي ما زال طويلاً ومعقداً.