
ظلال لا تغادر الداخل
في داخل الإنسان مساحات لا تشبه أي مكان آخر؛ ليست غرفة يمكن إغلاقها، ولا طريقًا يمكن تغييره أو تركه خلفه. إنها طبقات من التجارب التي تتراكم بهدوء، حتى تتحول إلى جزء غير مرئي من تكوينه.
ما يمر به المرء لا ينتهي بمرور الزمن، بل يغيّر شكله فقط. بعض الأحداث تبهت ملامحها، لكن أثرها يبقى حاضرًا بطريقة خفية، كصوت بعيد لا يُسمع بوضوح لكنه لا ينقطع تمامًا. ولهذا يبدو النسيان فكرة أقرب إلى الوهم منها إلى الحقيقة؛ فكل ما يظنه الإنسان قد اختفى، يعود أحيانًا في لحظة غير متوقعة، محمّلًا بإحساسه القديم ذاته.
الذاكرة ليست أرشيفًا ساكنًا، بل كيان حي يعيد ترتيب نفسه باستمرار. فهي تختار ما يظهر ومتى يظهر، وتفرض حضورها حين لا يكون الإنسان مستعدًا لذلك. وفي هذا التداخل بين ما مضى وما هو حاضر، تتشكل ملامح التجربة الإنسانية بكل ما فيها من قوة وهشاشة.
ولذلك، لا يخرج أحد من ماضيه كما دخل إليه. فحتى حين يواصل الحياة، يبقى داخله امتداد لما عاشه، وكأن الزمن لا يمحو، بل يضيف طبقات جديدة فوق ما كان موجودًا أصلًا.