
الشعب الذي يصنع ظله:
سورية و مقولة تشرشل القاسية
( كل شعب في العالم ينال الحكومة التي يستحقها )...
قد تكون هذه العبارة المنسوبة إلى تشرشل من أكثر العبارات استفزازاً في الفكر السياسي، لأنها تجرّد الشعوب من جزء من مظلوميتها وتضعها أمام مرآة التاريخ بلا تجميل. وفي الحالة السورية، تبدو هذه المقولة، رغم قسوتها، مدخلاً ضرورياً لفهم مأساة ممتدة منذ عام 1970 حتى اليوم...
لكن المقصود هنا ليس تبرئة الطغاة ولا إدانة الشعوب، بل محاولة تفكيك العلاقة المعقدة بين السلطة والمجتمع، بين الحاكم والبنية التي تسمح له بالاستمرار...
منذ عام 1970، مع صعود حافظ الأسد إلى السلطة، لم يكن الحكم في سورية مجرد نظام سياسي تقليدي، بل تحول تدريجياً إلى بنية كاملة:
أمنية، تعليمية، إعلامية، وثقافية، لم يكن الاستبداد قائماً فقط على القبضة الأمنية، بل على إنتاج مجتمع متكيف معه، يتقن لغة الصمت، ويجيد فنّ التعايش مع الخوف، ويعيد إنتاج السلطة في تفاصيل الحياة اليومية...
لم يكن المواطن السوري مجرد ضحية، بل كان أيضاً جزءاً من منظومة معقدة من البقاء، حيث تتحول المسايرة إلى ضرورة، والمجاملة إلى مهارة، والنفاق إلى وسيلة حماية. ومع مرور الوقت، لم يعد الخوف مفروضاً فقط من الأعلى، بل أصبح ثقافة متداولة، تنتقل من جيل إلى جيل، وتُدرَّس ضمنياً في البيت والمدرسة والشارع والوظيفة...
في هذا السياق، لم يكن الاستبداد حدثاً سياسياً فقط، بل كان تحولاً اجتماعياً عميقاً أعاد تشكيل مفهوم المواطن نفسه:
من كائن يطالب بالحقوق إلى كائن يطلب السلامة أولاً، ومن فرد يسائل السلطة إلى فرد يتجنبها، ومن مواطن يشارك في صناعة الدولة إلى تابع ينتظر الإشارة...
وحين انفجرت الاضطرابات عام 2011، لم يكن المشهد مجرد مواجهة بين نظام ومعارضة، بل كان أيضاً انفجاراً في بنية اجتماعية تراكمت داخلها سنوات طويلة من القمع والخوف والتكيف القسري، فقد ظن كثيرون أن سقوط حاجز الخوف سيؤدي تلقائياً إلى ولادة الحرية، لكن ما ظهر لاحقاً كان أكثر تعقيداً من ذلك بكثير...
ففي الفراغ الذي انفتح، تقدمت قوى متعددة، بعضها حمل خطاباً دينياً جهادياً صارماً، ومنها ما عُرف لاحقاً بجماعات مثل هيئة تحرير الشام وما دار في فلكها من تشكيلات إسلامية مسلحة، كل ذات ثقافة جهادية وأعمال وصفها العالم بهيئاته الاممية بأنها ارهابية، هذه القوى، رغم اختلافها عن النظام في الشكل والشعارات، أعادت إنتاج منطق مشابه في الجوهر: الحقيقة الواحدة، والسلطة المطلقة، وإقصاء الآخر، واحتكار تعريف الدين والسياسة والمجتمع...
وهكذا وجدت سورية نفسها، في لحظات كثيرة، بين نموذجين مختلفين في الواجهة، متشابهين في البنية العميقة:
- استبداد الدولة الأمنية من جهة... - واستبداد الجماعة العقائدية من جهة أخرى...
كلاهما يطلب الطاعة، ويخشى النقد، ويضيق بالتعدد، ويعيد تشكيل المجتمع وفق سردية مغلقة...
لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً أن السوريين أمضوا عقوداً طويلة يلعنون الطغيان، ونادراً ما خاضوا مواجهة حقيقية مع الجذور التي تسمح له بالاستمرار، فحافظ الأسد لم يهبط من فراغ تاريخي، وبشار الأسد لم يأتِ من خارج البنية الاجتماعية، والجماعات الجهادية لم تنبت خارج سياق اجتماعي مأزوم، بل خرجت جميعها من تربة واحدة، تربة تعاني من ضعف في الثقافة المدنية، وهشاشة في مفهوم المواطنة، واضطراب في العلاقة مع السلطة والمعرفة والحرية...
لقد تغيرت الوجوه، وتبدلت الرايات، لكن جوهر العلاقة ظل قائماً:
البحث عن راعٍ بدلاً من بناء مؤسسة، وعن زعيم بدلاً من قانون، وعن خلاص فردي بدلاً من مشروع جماعي...
ولهذا تبدو مقولة تشرشل في الحالة السورية أقرب إلى مرآة قاسية منها إلى إدانة مباشرة. فالمقصود ليس أن السوريين يستحقون ما جرى لهم من قتل وتهجير ودمار، فهذا ظلم لا لبس فيه، وإنما أن المجتمعات التي لا تحمي حريتها ولا تبني وعيها المدني قد تجد نفسها، عبر الزمن، أسيرة لأنماط حكم تعكس نقاط ضعفها بقدر ما تعكس قوة المستبد...
للعلم:
فإن المأساة السورية ليست فقط في طول حكم حافظ الأسد أو في استمرار حكم بشار الأسد أو في صعود الجماعات المسلحة ذات الطابع الجهادي، بل في قدرة هذه النماذج جميعاً على إيجاد بيئة تتكيف معها، وتعيد إنتاجها بصيغ مختلفة...
فلا يوجد استبداد يعيش نصف قرن بالقوة وحدها، ولا فوضى مسلحة تستمر دون حاضنة اجتماعية، ولا سلطة دينية أو أمنية تستطيع أن تترسخ دون بنية ثقافية تسمح بذلك، أو على الأقل تعجز عن منعه...
وهنا يصبح السؤال الحقيقي أكثر قسوة من أي اتهام مباشر هو:
- هل كانت المشكلة في الحاكم وحده، أم في البنية التي جعلت هذا النمط من الحكم ممكناً ومستمراً؟..
لقد سقط الأسد الأب، واهتز حكم الأسد الابن، وظهرت قوى مسلحة مختلفة الشعارات، لكن السؤال لم يسقط:
- هل تغيّرت الثقافة التي تنتج الاستبداد، أم أننا ما زلنا نعيد إنتاجه بأشكال جديدة، بأسماء مختلفة، وبخطابات متناقضة في ظاهرها، متشابهة في جوهرها؟..
إن أخطر ما في التجربة السورية ليس فقط ما حدث، بل ما يمكن أن يتكرر، فالأوطان لا ينهكها الطغاة وحدهم، بل ينهكها أيضاً استعداد دائم لإعادة إنتاجهم، وحين لا يتحول المواطن إلى فاعل حر، بل يبقى باحثاً عن وصيّ جديد، فإن الدورة تستمر، حتى لو تبدلت الأسماء وتغيرت الرايات...
وعند هذه النقطة فقط، تصبح مقولة تشرشل أقل استفزازاً وأكثر قسوة:
" لأن الشعوب لا تُبتلى فقط بحكامها، بل أيضاً بما تسمح لنفسها أن تتسامح معه، وبما تعجز عن تغييره في داخلها قبل أن تطلب تغييره في الخارج"...
ختاماً:
بعد ما قاله ونستون تشرشل اقول أنا ما قلته مئات المرات وهو :
أن حافظ الأسد بني على ماهو موجود من أنماط ثقافية في المجتمع السوري لم يبتدعها لم يخلقها، بل رسخها وأجاد استخدامها...
لأضيف اليوم :
الشعب السورية بغالبيته هو من وفر الحاضن للفكر الإسلاموي الجهادي و التكفيري، والقادم أعظم .