
بين الانتقائية في السرد :
بين الانتقائية في السرد وتاريخٍ مثقل بالتأويل...
من الآخر:
ولكل من أشرأبوا بأعناقهم مدافعين عن حافظ الأسد في سياق ردهم أو تعليقهم على ما كنت قد كتبته عن سيرته الذاتية، سواء لجهة ما كان متداولًا بقوة قبل أن يعتلي سُلّم السلطة، أو ما عايشناه منذ نكسة حزيران 1967 مرورًا بما تلاها وصولًا إلى مسار التوريث، أقول:
إن كل من تحدثوا عنه بإيجابية إنما تناولوه بانتقائية واضحة، وركّزوا على مسلمات لا يستطيع أحد إنكارها، لكنهم قرأوا التاريخ على طريقة “سطر نعم وسطر لا”، فمثلًا، قصة غيابه عن رفاقه في لندن قالوا إنها غير مثبتة، بينما تجاوزوا تمامًا ما هو ثابت ومتداول بقوة، وهو “البلاغ 66”، وما تلاه من وقائع، ومنها ضياع مرتفعات الجولان ومدنية القنيطرة بلا قتال يذكر ...
وليس هذا فحسب؛ فهناك من غالط نفسه قبل أن يعالج التاريخ وانا معه زاعما أن ضياع مرتفعات الجولان جرى تبريره بضياع سيناء والضفة الغربية، مع تجاهل سياقات “البلاغ 66” وما ارتبط به من قرارات ومسارات، أدت كمحصلة للحركة التصحيحية وصولا للتوريث والدليل مباركة امريكا لتولي بشار الحكم وراثة عن أبيه في سابقة تاريخية لم تسبق سورية إليها إلا كوريا الشمالية...
يا سادة:
إن من يدافع عن حافظ الأسد من زاوية أنه علوي، وحافظ الأسد كان علويا، فهذا قصور في الوعي الوطني وانزلاق أخلاقي، وأنا لم أهاجمه يومًا على أساس طائفي، بل تناولته باعتباره رفيقًا بعثيًا حنث بيمينه في الكلية الحربية وبالتزامه الحزبي...
ثم أتحدى كل من هاجمني أو نسب إليّ ما ليس فيّ، أن يكون قد التقى حافظ الأسد وجهًا لوجه وعلى انفراد وبناءً على طلبه؛ أما أنا فقد كان لي ذلك، وحافظ هو من كان قد طلبني يوما، في سياق فعالية كنت فيها...
أخيرًا ولمن لم يعرف بعد هويتي وأساس وجهة ثقافتي :
انا لم أقل يومًا أن هناك “ثورة” في سورية بالمعنى التقليدي، وكنت أرى أن ما سُمّي بالربيع العربي ليس إلا تجليًا أو إعادة إنتاج لنظرية “الشرق الأوسط الجديد”...
ومع ذلك:
لو لم يكن حافظ الأسد قد خان الأمانة، وأحكم قبضته على الدولة بعد أن اختطف الجيش والحزب ومؤسسات الدولة وحولها إلى بنية مغلقة فملكية شخصية، ثم نقل الحكم عبر مسار التوريث إلى ابنه بشار، لما كانت تداعيات الربيع العربي على سورية كما كانت، ولا وصلنا إلى ما نعيشه اليوم، ومن يعيش يرى أكثر...
ومع كل ما سبق:
إذا كنت تدافع عن حافظ الأسد مكابرةً فقط لأنه ينتمي إلى نفس الخلفية الطائفية التي تعيشها امتيازات رخيصا كما باقي الامتيازات الطائفية، فهذا يختزل الدولة في العصبية ويُفرغها من معناها الوطني، وإذا كنت أنا أهاجم حافظ الأسد بدافع طائفي أو حقد شخصي، فأنا بلا شرف وأستحق المحاسبة على الخيانة الوطنية...
ثم أقول بوضوح:
إنني وللحظتي هذه أحنّ إلى عهد حافظ الأسد في جانبٍ واحد فقط، وهو قدرته على جعل الدولة السورية رقمًا صعبًا في معادلة علاقاتها الدولية مع الإقليم والعالم، أكثر مما أحنّ إلى الواقع الحالي الذي لا أجد فيه ما يوازي ذلك، أما مسار التوريث، وما ترتب عليه، فقد فتح بابًا لتحولات كبرى ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم...
لأختم :
لو لم يكن بشار الأسد رئيسا لسورية لما سقط النظام ووصلت هيئة تحرير الشام للحكم ودونكم تجربة مصر اقتلع مبارك ورحل وبقي النظام .