
بين “تهديد الليلة” وحدود القوة: هل يستطيع البنتاغون فرض الحسم على إيران؟
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
تبدو التصريحات الأميركية الأخيرة، التي حملت نبرة استعداد لضربة سريعة وحاسمة، أقرب إلى استعراض محسوب للقوة منها إلى إعلان نوايا لحرب فعلية. فهي تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تختلط أدوات الردع العسكري بالضغط السياسي والدبلوماسية القسرية، في محاولة لرفع سقف التفاوض أكثر مما هي استعداد فعلي لفتح أبواب مواجهة شاملة.
في جوهر هذا الخطاب، لا يبدو الهدف الأميركي مرتبطاً فقط بإظهار القدرة على الضرب، بل بفرض معادلة سياسية جديدة تُدار من موقع التفوق. غير أن هذا النوع من الرسائل، مهما بدا حاداً، يصطدم دائماً بسؤال أكثر تعقيداً: هل تملك القوة الجوية والتكنولوجية القدرة على تحويل الضربة إلى حسم سياسي وعسكري دائم؟
التجربة الحديثة في الشرق الأوسط تقدم إجابة متكررة: التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على إنهاء الصراع. فحتى العمليات الجوية الدقيقة والمؤثرة، رغم قدرتها على إلحاق أضرار كبيرة بالبنى التحتية العسكرية أو الحيوية، لا تكفي وحدها لتفكيك منظومات الردع أو تغيير العقيدة الاستراتيجية للدول المستهدفة، خصوصاً حين تمتلك هذه الدول عمقاً جغرافياً وقدرات على التمويه والتحصين وإعادة التموضع.
في الحالة الإيرانية تحديداً، لا يتعلق الأمر بمنشآت ثابتة فقط، بل بشبكة ردع متعددة الطبقات، تجمع بين الصواريخ بعيدة المدى، والطائرات المسيّرة، وأذرع إقليمية منتشرة في أكثر من ساحة. هذا التشابك يجعل أي ضربة واسعة بداية لمسار تصعيدي مفتوح، لا نهاية محسومة له. فالمعادلة هنا لا تتوقف عند لحظة القصف الأولى، بل تبدأ منها.
الأكثر حساسية في هذا السياق هو ما يمكن تسميته بـ“ارتداد الرد”. فأي استهداف مباشر للعمق الإيراني لا يُقرأ كحادث معزول، بل كشرارة قد تُطلق سلسلة من الردود المتدرجة، تمتد خارج حدود الجغرافيا الإيرانية لتطال مصالح وقواعد وممرات بحرية حساسة. وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح مضيق هرمز والبحر الأحمر وسلاسل الإمداد الطاقوي جزءاً من ساحة المواجهة، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاقتصاد العالمي لا يمكن احتواؤها بسهولة.
من زاوية أخرى، تعاني المقاربة القائمة على التهديد المفرط من فجوة أساسية تتعلق بما يُعرف بـ“اليوم التالي”. فإسقاط القوة على طاولة التفاوض قد يحقق مكاسب آنية، لكنه لا يقدم تصوراً واضحاً لكيفية إدارة نتائج التصعيد إذا خرج عن السيطرة. والتاريخ القريب يثبت أن الضربات العسكرية، حين لا تقترن بمسار سياسي متماسك، كثيراً ما تؤدي إلى العكس تماماً: إعادة إنتاج الخصم أكثر صلابة وتشدداً.
كما أن الرهان على أن الضغط العسكري وحده يمكن أن يدفع إيران إلى تغيير سلوكها الاستراتيجي يتجاهل طبيعة البنية السياسية والعسكرية هناك، والتي طورت خلال السنوات الماضية مفهوم “الردع المرن” القائم على الصبر الاستراتيجي وتعدد ساحات الاشتباك، ما يجعل كلفة المواجهة المباشرة عالية للغاية بالنسبة لأي طرف.
في ضوء ذلك، تبدو هذه التصريحات جزءاً من لعبة “رفع السقف” أكثر من كونها مقدمة لحرب وشيكة. إنها محاولة لاختبار حدود الخصم، وقياس ردود الفعل، وإعادة تثبيت شروط التفاوض في الإقليم. لكن هذه اللعبة نفسها تحمل مخاطر الانزلاق، حيث يكفي خطأ في الحساب أو رد غير متوقع لتحويل الاستعراض إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن ضبط إيقاعها.
لهذا، يبقى السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار إدارة التوتر ضمن حدود محسوبة: ضربات موضعية، رسائل متبادلة، وضبط إيقاع التصعيد دون السماح له بالتحول إلى حرب شاملة. أما الحسم الكامل، رغم حضوره في الخطاب السياسي، فما يزال أبعد بكثير من قدرة أي طرف على تحقيقه في واقع إقليمي شديد التشابك، حيث لا تنتهي القوة عند حدود استخدامها، بل تبدأ تبعاتها من لحظة إطلاقها.