
هدوء البنادق... أم استراحة المحارب؟ قراءة في إعادة التموضع الأمريكي تجاه إيران
في النزاعات الكبرى، لا يعني توقف إطلاق النار أن الحرب انتهت، كما أن انخفاض حدة التصعيد لا يُعد دليلاً على ولادة السلام. فالدول العظمى كثيراً ما تلجأ إلى التهدئة المؤقتة عندما تكتشف أن كلفة المواجهة تجاوزت تقديراتها الأولية، فتختار إعادة الحسابات قبل اتخاذ الخطوة التالية.
هذا ما يبدو أنه يحكم المشهد الحالي بين الولايات المتحدة وإيران. فالخلاف بين الطرفين لم يفقد أسبابه، بل ما زال قائماً حول البرنامج النووي، والنفوذ الإقليمي، وأمن إسرائيل، ومستقبل التوازنات في الشرق الأوسط. لذلك فإن الحديث عن نهاية الصراع يبدو سابقاً لأوانه.
دخلت إدارة دونالد ترامب المواجهة وهي تراهن على أن الضغط العسكري والاقتصادي سيجبر طهران على التراجع سريعاً، إلا أن الواقع أثبت أن إيران ليست خصماً يمكن التعامل معه بالمنطق ذاته الذي استُخدم في ساحات أخرى. فقد بنت خلال عقود منظومة ردع جعلت أي حرب واسعة محفوفة بتكاليف سياسية وعسكرية واقتصادية باهظة.
وليس خافياً أن البنتاغون كان يدرك منذ سنوات أن أي مواجهة شاملة مع إيران قد تفتح أبواب المنطقة على احتمالات خطيرة، تبدأ بتهديد الملاحة في مضيق هرمز، ولا تنتهي عند استهداف القواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن، وما يرافق ذلك من اضطراب في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. كما أن مؤسسات الدولة الأمريكية، أو ما يُعرف اصطلاحاً بـالدولة العميقة، لا تتردد في الضغط لإعادة تقييم القرارات عندما ترى أن المخاطر أصبحت تفوق المكاسب.
في المقابل، لا تتطابق الحسابات الإسرائيلية دائماً مع الحسابات الأمريكية. فبينما يرى بنيامين نتنياهو أن استمرار الضغط على إيران يخدم الأمن الإسرائيلي، تنظر واشنطن إلى الصورة الأشمل، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الاقتصاد العالمي وشبكة التحالفات الدولية.
ومع ذلك، فإن من الخطأ اعتبار أي تراجع أمريكي هزيمة نهائية أو فقداناً للقدرة على فرض الإرادة. فالولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر في العالم، لكنها قد تكون بصدد تعديل أدوات المواجهة والانتقال من خيار التصعيد المباشر إلى سياسة أكثر حذراً تقوم على الاحتواء والضغط طويل الأمد.
استشرافاً للمشهد، يبدو أن المنطقة تتجه إلى مرحلة عنوانها "إدارة الصراع" لا "حسم الصراع". فلا سلام شامل يلوح في الأفق، ولا حرب مفتوحة تبدو خياراً مفضلاً لأي من الطرفين. والأرجح أن تستمر المواجهة بأشكال متعددة؛ ضغوط اقتصادية، ورسائل عسكرية محسوبة، وتحركات دبلوماسية متقطعة، في انتظار تغير موازين القوى أو ظهور تسوية تفرضها الوقائع. وحتى ذلك الحين، سيبقى الشرق الأوسط يعيش على إيقاع هدنة هشة، قد يبددها أي خطأ في الحسابات.