
حسين هرموش...
المأساة التي فضحت الشعارات:
في التاريخ، هناك رجال يصنعون الأحداث، وهناك أحداث تصنع الأساطير، وهناك أيضًا شعاراتٌ تتكفل بدفن الحقيقة تحت ركام الضجيج...
كان حسين هرموش ضابطًا في الجيش العربي السوري، ولم يكن رقمًا عابرًا في سجل الضباط، فمن بين آلاف الضباط وقع عليه الاختيار ليوفد إلى روسيا ست سنوات كاملة، ينهل من العلوم العسكرية والهندسية، ويحصل على دبلوم هندسي متميز، وآخر في الترجمة ( العربية – الروسية)، ويشارك في أبحاث علمية، ثم يعود محملًا بالعلم والخبرة، بعد أن أنفقت الدولة عليه سنوات من الإعداد والتأهيل...
ثم قيل لنا لاحقًا إن الرجل كان ضحية نظامٍ لا يرى في أبناء طائفته إلا مواطنين من الدرجة الثانية!..
حقًا؟
وهنا تبدأ الرواية الساخرة...
- أيُّ اضطهادٍ هذا الذي يرسل ضحيته إلى أرقى الأكاديميات العسكرية؟..
- وأيُّ تمييزٍ هذا الذي يمنح "المُقصى" ما لم ينله آلاف الضباط الآخرين؟..
- وأيُّ عنصريةٍ تلك التي تستثمر سنوات من عمر الدولة وأموالها في إعداد رجل، ثم يقال إن هويته الدينية كانت سببًا في حرمانه؟..
* لو كانت هذه هي العنصرية، فكيف يكون الإنصاف؟..
* ولو كان هذا هو الإقصاء، فبأي اسم نسمي الفرص؟..
إنها مفارقة تستحق أن تُروى، لا لأنها تدافع عن نظام، بل لأنها تضع الشعارات أمام مرآة الوقائع...
ثم جاء الانشقاق...
وجاءت معه الروايات الجاهزة، وكأن كل ما سبق قد مُحي من الذاكرة، وكأن السنوات الست في روسيا لم تكن إلا حلمًا عابرًا، وكأن العلم الذي أُتيح له تحصيله لا قيمة له أمام خطابٍ لا يرى في الأحداث إلا لونًا واحدًا.
أما النهاية، فقد كانت مأساوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
انتهى الرجل إلى حبل المشنقة، بعد أن انتهى به المطاف في قبضة الدولة التي صنعت منه ضابطًا محترفًا، نهاية مؤلمة، لا لأنها كانت مفاجئة، بل لأنها كانت إعلانًا عن انهيار الثقة بين الضابط والمؤسسة التي أقسم يومًا أن يخدم من خلالها وطنه...
لكن الأعجب من النهاية...
هو منطق بعض من رووها:
فلو استمعت إلى بعض الروايات، لخُيل إليك أن الجيوش في أنحاء العالم تكافئ الضباط الذين ينشقون عنها، وتمنحهم الأوسمة، وتفتح لهم أبواب الترقيات، وتكتب أسماءهم في سجلات الشرف بماء الذهب، ثم تقيم لهم حفلات التكريم لأنهم قرروا مغادرة صفوفها!..
يا للعجب...
- منذ متى أصبح الانشقاق في العقائد العسكرية وسامًا؟..
- ومنذ متى صار الإخلال بالقسم العسكري طريقًا إلى لوحات الشرف؟.. - وأي جيش في العالم، شرقًا كان أم غربًا، ينظر إلى الانشقاق بوصفه إنجازًا وظيفيًا يستحق المكافأة؟..
إن اختلاف الناس في تقييم هرموش أمر مفهوم، لكن تحويل قوانين الجيوش إلى مادة للسخرية من أجل خدمة رواية سياسية، هو سخرية من العقل قبل أن يكون سخرية من التاريخ...
لقد كانت قصة حسين هرموش مأساةً سورية بامتياز؛ مأساة رجل، ومأساة وطن، ومأساة سردياتٍ أرادت أن تختزل الوقائع في شعار واحد، بينما كانت الحقيقة، كعادتها، أكثر تعقيدًا، وأكثر قسوة، وأشد مقاومةً للاختزال...
ويبقى السؤال الذي يطارد كل من يقرأ هذه الحكاية بعيدًا عن ضجيج الشعارات:
- هل كان حسين هرموش ضحية طائفته، أم ضحية خياراته؟..
- وهل يجوز أن تُلغى ست سنوات من التأهيل العلمي والعسكري، لأنها لا تنسجم مع رواية أُريد لها أن تكون مطلقة؟..
لقد علمتنا التجارب أن التاريخ لا يرحم المبالغات، وأن الوقائع عنيدة لا تستجيب للرغبات. فالشعارات قد تصنع ضجيجًا، لكنها لا تصنع حقيقة، أما الحقيقة فتظل صامتة، إلى أن يأتي يوم تنطق فيه الوثائق، وتسقط الأقنعة، ويكتشف الناس أن بعض الروايات لم تكن سوى بناء هشّ شُيّد فوق رمال السياسة المتحركة...
ملاحظة :
أنا موقفي واضح ومعلن من نظام العائلة المغتصبة وكنت اول سوري وربما الوحيد للحظتنا هذه الذي قال بإسقاط ( حكم العائلة )، من على منبر الجزيرة خلال مشاركتي برنامج الاتجاه المعاكس الذي لم يقدم عشر حلقات متتابعة منذ أقصاني مالكه الشخصي وصاحبه الحصري د. فيصل القاسم في العام ٢٠٢٠ وغالبا كنت في مواجهة أحد اثنين د. يحيى البعيني أو ماهر شرف الدين...
ولقد حملت حافظ الأسد في قبره ماحدث في سورية من حرب مركبة أهلية على طائفية كان فيها السوريون من الطرفين ربما بمعرفة أو بدونها ينفذون الأجندة الأمريكية - الإسرائيلية بحق سورية لعلة الجغرافيا التي بنيت على علة التاريخ وانا من قال مئات المرات أن جريمة ( التوريث) لوحدها لها أن تفجر عشرات الثورات ...
إلا كل هذا لم يمنعني أن أقول ما قلته اعلاه، لاسيما أنه ثبت بالأدلة والبراهين أن ما كان سببا بانطلاق الفوضى في درعا هو خلع اظافر الاطفال لم يحدث وان ما نسب لفرع الأمن السياسي يشوبه النفاق والدجل وهذا ما أكده بوق درعا يوما الشيخ ( الصياصنة ) وان وضع فرع الأمن السياسي في عين العاصفة كان ليس لأنه ارتكب الفظائع بل لأن على رأسه العميد عاطف نجيب وهو ابن خالة بشار الأسد الذي لم اصفه يوما إلا بالمنغولي والمعوق عقليا والمرتبك نفسيا، مؤكدا أن لحظة توليه الحكم برسم الغصب والاغتصاب هي ذات اللحظة التي بدأت فيها خطة تدمير سورية حيز التنفيذ.