حين تُصبح الهوية هدفًا: سورية لا تُبنى بالثأر بل بالعدالة

Salah Kirata • ٢٢‏/٧‏/٢٠٢٦

59854.png


حين تُصبح الهوية هدفًا: 
سورية لا تُبنى بالثأر بل بالعدالة.

بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

في الأوطان التي تنهكها الحروب، لا يكون أخطر ما تخلفه المعارك هو الدمار المادي وحده، بل ذلك الشرخ العميق الذي يتسلل إلى النفوس، فيحوّل الهوية من مساحةٍ للتنوع إلى سببٍ للخوف، والانتماء من مصدرٍ للفخر إلى مبررٍ للاستهداف. وعندما يُقتل إنسان، أو يُختطف، أو يُهان بسبب مذهبه أو دينه أو قوميته، فإن الضحية الحقيقية لا تكون فردًا فحسب، بل فكرة الوطن نفسها...

لقد شهدت سورية، خلال سنوات الصراع، انتهاكاتٍ مؤلمة طالت أبناء مختلف مكوناتها، وتركت جراحًا عميقة في الذاكرة الوطنية، وإذا كانت هناك اليوم تقارير أو روايات عن انتهاكات تستهدف مدنيين في أي منطقة، فإن التعامل معها يجب أن يكون بمنتهى الجدية، عبر تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون، بعيدًا عن التعميم أو توظيف المآسي في تأجيج الانقسام، فالدم السوري لا تتغير قيمته باختلاف هوية صاحبه، والعدالة لا تكون عدالة إذا انتقت ضحاياها...

إن الانتماء الديني أو المذهبي أو القومي ليس جريمة، ولن يكون يومًا كذلك، فمن حق العلوي، كما السني، والدرزي، والمسيحي، والإسماعيلي، والكردي، والآشوري، وسائر أبناء سورية، أن يعتزوا بهويتهم وثقافتهم وموروثهم، وأن يعيشوا في وطن يحمي هذا التنوع بدل أن يحوله إلى سببٍ للريبة أو الكراهية، فالتعددية ليست عبئًا على سورية، بل إحدى أهم ركائزها التاريخية والحضارية...

غير أن أخطر ما يمكن أن تنزلق إليه المجتمعات هو الخلط بين الجريمة والهوية، وبين المجرم والجماعة التي ينتمي إليها، فالجرائم يرتكبها أفراد أو مجموعات مسؤولة عنها شخصيًا، ولا يمكن أن تُنسب إلى طائفة أو دين أو قومية بأكملها، إن تعميم الاتهام هو البوابة الواسعة إلى العقاب الجماعي، والعقاب الجماعي ليس عدالة، بل ظلمٌ يُنتج ظلمًا جديدًا، ويطيل عمر الكراهية ويمنح دعاة الفتنة ما يسعون إليه...

إن الدولة التي يجب ان يطمح إليها السوريون هي الدولة التي لا تقوم على الانتقام، ولا على تصفية الحسابات التاريخية، وإنما على سيادة القانون والمواطنة المتساوية، فالمطلوب ليس حماية طائفة من أخرى، بل حماية الإنسان أيًا كانت هويته، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في القتل أو الخطف أو التعذيب أو الإخفاء القسري أو أي انتهاك آخر، عبر قضاء مستقل وإجراءات قانونية عادلة...

ومن هنا:
فإن أي خطاب يبرر استهداف المدنيين، أو يشيطن جماعة بأكملها، أو يحاول تحميل ملايين الناس مسؤولية أفعال أفراد، هو خطاب يقود سورية إلى مزيد من الانقسام، مهما كانت الشعارات التي يرفعها. كما أن الصمت عن أي انتهاك بدافع الانحياز السياسي أو الطائفي لا يقل خطورة عن ارتكابه، لأن العدالة التي تُطبق على طرف دون آخر تفقد معناها الأخلاقي والقانوني...

إن مستقبل سورية لن يُصنع إلا عندما يصبح الانتماء الوطني هو المظلة الجامعة فوق كل الانتماءات الأخرى، وعندما يشعر كل مواطن بأن القانون يحميه دون تمييز، وأن كرامته مصونة بصرف النظر عن دينه أو مذهبه أو قوميته...

إن سورية تحتاج اليوم إلى خطاب يعيد بناء الثقة، لا إلى خطاب يعمّق الجراح؛ إلى عدالة تنصف الضحايا جميعًا، لا إلى انتقام يخلق ضحايا جدداً؛ وإلى وطن يتسع لجميع أبنائه، لا إلى أوطانٍ صغيرة تحكمها المخاوف والهويات المغلقة...

"فالأوطان لا تُحمى بالكراهية، ولا تُبنى بالثأر، وإنما تُصان بالعدل، ويُحفظ مستقبلها عندما تكون حياة الإنسان وكرامته فوق كل اعتبار".