
لست مع أمريكا...
لكنني أرى أن نظام ولاية الفقيه كان وما زال أحد أخطر مشاريع زعزعة استقرار المنطقة.
قد يظن البعض أن انتقاد الجمهورية الإسلامية الإيرانية يعني الاصطفاف تلقائيًا إلى جانب الولايات المتحدة، وهذا استنتاج خاطئ لا أؤمن به. فمن الممكن، بل من الواجب أحيانًا، أن ترفض السياسات الأمريكية، وأن ترفض في الوقت ذاته المشروع الإيراني، لأن المواقف المبدئية لا تُبنى على قاعدة "عدو عدوي صديقي"، وإنما على قراءة الوقائع كما هي.
أنا لست مع سياسات الولايات المتحدة، ولم أكن يومًا من المدافعين عنها، فهي تتحمل مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن كثير من الكوارث التي أصابت منطقتنا، لكنني، في المقابل، لا أختلف مع سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية فحسب، بل أعارض مشروعها العقائدي والسياسي برمته، نصًا وروحًا، قولًا وفعلًا.
خلال مشاركتي أمس في تغطية الحرب الأمريكية – الإيرانية على إحدى الفضائيات، لم يسمح الوقت بعرض هذه الرؤية كاملة، ولذلك أجد من واجبي أن أوضحها هنا...
لا أكتب دفاعًا عن واشنطن، ولا أبرر استخدام القوة العسكرية، لكنني أقول بوضوح إن جانبًا كبيرًا مما استندت إليه الولايات المتحدة في مواجهتها مع إيران لم يكن محض افتراءات أو ذرائع سياسية، بل استند إلى وقائع مارستها طهران علنًا على امتداد أكثر من أربعة عقود.
فمنذ أن وطئت قدما آية الله الخميني أرض مطار طهران عام 1979، لم تكتفِ الجمهورية الإسلامية بإدارة شؤونها الداخلية، وإنما أعلنت، دستوريًا وسياسيًا، مشروع "تصدير الثورة"، وأنشأت الحرس الثوري ليكون الأداة التنفيذية لهذا المشروع خارج الحدود، ومنذ ذلك التاريخ، أخذت تتدخل بصورة مباشرة أو عبر وكلائها في شؤون دول الجوار تحت شعارات نصرة المستضعفين أو دعم المقاومة، بينما كانت النتيجة الفعلية إنشاء تنظيمات مسلحة موازية للدولة، تقوم على أسس مذهبية، كما حدث في لبنان والعراق واليمن، فضلًا عن الدور الإيراني في سورية، الذي لا يزال محل نقاش واسع بسبب حجم التدخل العسكري والسياسي فيه...
أما في الملف النووي، فمن حق المجتمع الدولي أن يطرح الأسئلة، فإذا كان البرنامج مخصصًا للأغراض السلمية، فلماذا وصل تخصيب اليورانيوم إلى مستويات قاربت 60%، في حين أن الاستخدامات المدنية لتوليد الطاقة أو للأغراض الطبية والبحثية تُدار عادة عند مستويات أقل بكثير؟ إن هذه الفجوة هي التي أبقت الشكوك قائمة، وأبقت الملف النووي الإيراني في صدارة الاهتمام الدولي...
ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل النزاعات الإقليمية المرتبطة بإيران، سواء ما يتعلق بإقليم الأحواز (عربستان) كما يسميه القوميون العرب، أو استمرار النزاع حول الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى، وهي قضية ما تزال محل خلاف بين إيران ودولة الإمارات العربية المتحدة...
كما أن تطوير إيران المستمر لمنظوماتها الصاروخية بعيدة المدى أثار قلقًا متزايدًا لدى العديد من الدول، باعتبار أن هذه القدرات تعزز من إمكانات الردع والهجوم خارج نطاق الإقليم المباشر، وتزيد من تعقيدات البيئة الأمنية في الشرق الأوسط وما حوله. وتبقى تفاصيل الالتزامات الدولية المتعلقة بهذه البرامج محل خلاف قانوني وسياسي بين الأطراف المختلفة...
ولو كنت مكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي ظل هذه المعطيات كما أراها، لما اكتفيت بما قام به، لأنني أعتقد أن نظام ولاية الفقيه لم يجلب إلى المنطقة، منذ عام 1979، يومًا واحدًا من الاستقرار. بل على العكس، ارتبط اسمه باتساع رقعة الصراعات، وتغذية الانقسامات، وإضعاف مؤسسات الدولة الوطنية، وتحويل عدد من البلدان العربية إلى ساحات نفوذ وصراعات مفتوحة...
إن موقفي هذا لا يمنح الولايات المتحدة شهادة براءة، كما أنه لا يبرر أخطاءها أو تدخلاتها، فالدول تُقاس بأفعالها، وليس بشعاراتها، لكن رفض السياسات الأمريكية لا يعني أبدًا التغاضي عن سياسات إيران، تمامًا كما أن معارضة المشروع الإيراني لا تعني الاصطفاف خلف واشنطن...
لهذا أخلص إلى قناعة شخصية واضحة:
إن مشروع ولاية الفقيه، كما تجسد في سياسات الجمهورية الإسلامية خلال العقود الماضية، كان أحد أخطر المشاريع التي واجهت العالم العربي، وأحد أبرز عوامل زعزعة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق، فإنني أرى أنه لا يشكل تهديدًا لدول المنطقة فحسب، بل يمثل، في كثير من جوانبه، مصدر قلق للأمن والسلم الدوليين أيضًا.
قد يتفق معي البعض، وقد يختلف آخرون، لكن ما أطرحه هنا ليس انفعالًا سياسيًا عابرًا، بل قراءة تستند إلى مسار طويل من الأحداث والوقائع التي شهدتها المنطقة منذ عام 1979 وحتى اليوم، والتي ما زالت آثارها حاضرة في معظم أزماتها.