من البعث إلى الطائفة... كيف ضاعت سورية بين مشروعين

Salah Kirata • ١٠‏/٦‏/٢٠٢٦

45130.jpg


من البعث إلى الطائفة... 
كيف ضاعت سورية بين مشروعين؟:

في تعليق على أحد مقالاتي، كتب صديق بدا واضحاً أنه لا يرى أي نقطة التقاء بينه وبين السلطة القائمة اليوم في دمشق. وكعادة السوريين الذين دفعتهم المآسي إلى التفكير بمنطق الأبيض والأسود، انتهى به الأمر إلى تمجيد عهد حافظ الأسد مقارنة بما تعيشه البلاد اليوم...

قرأت تعليقه بهدوء، ثم وجدت نفسي أجيبه بجملة تختصر نصف قرن من المأساة السورية:

"ليت حافظ الأسد بقي بعثياً."

نعم، ليت الرجل بقي بعثياً.

ليت الصراع بقي داخل السياسة والحزب والدولة، ولم يتحول تدريجياً إلى مشروع سلطة شخصي وعائلي اختطف الدولة والطائفة معاً، ووضع سورية كلها في خدمة بقائه...

أقول ذلك رغم أن جيلي، وجيل من سبقني، كان قد أسقط معظمه من حساباته كثيراً من الملفات الثقيلة التي رافقت صعود حافظ الأسد إلى السلطة...

تجاوز كثيرون قضية سقوط الجولان وما ارتبط بها من الجدل التاريخي حول البلاغ رقم 66 وإعلان سقوط القنيطرة قبل دخول القوات الإسرائيلية إليها بشكل كامل وفق شهادات ووثائق ظلت موضع نقاش حتى اليوم...

وتجاوز كثيرون الطريقة التي أُقصي بها رفاقه الذين شكّلوا القيادة التاريخية لحزب البعث بعد انقلاب عام 1970 الذي سُمّي رسمياً "الحركة التصحيحية"...

وتجاوز كثيرون تعطيل الحياة الحزبية الحقيقية، وتحويل المؤتمرات القطرية والقومية إلى مناسبات شكلية بعد أن كانت ساحات نقاش وصراع سياسي داخل الحزب...

بل إن كثيرين، وأنا واحد منهم، كانوا على استعداد لغض النظر عن كل ذلك طالما بقي الحديث يدور حول دولة ومؤسسات وحزب وجيش...

لكن لحظة الاكتشاف الحقيقية جاءت عندما بدأت ملامح التوريث تظهر في الأفق، عندها فقط أدرك كثير من السوريين أن المشكلة لم تعد في أخطاء سياسية أو خيارات سلطوية، بل في طبيعة المشروع نفسه، لكن وقتها كان الفأس قد وقع في الرأس.

- فالمؤسسة العسكرية التي يفترض أن تكون جيش الدولة تحولت تدريجياً إلى جيش ولاء...
- والأجهزة الأمنية التي يفترض أن تحمي النظام العام أصبحت تحمي النظام السياسي...
- أما الحزب الذي قيل يوماً إنه يقود الدولة والمجتمع، فقد تحول إلى واجهة شكلية بينما كانت السلطة الحقيقية تنتقل شيئاً فشيئاً إلى دائرة أضيق وأضيق...

منذ مطلع الثمانينيات، وبصورة أكثر وضوحاً بعد المواجهة الدامية مع جماعة الإخوان المسلمين، بدأت معادلات جديدة تتشكل داخل الدولة السورية...

فبعد أحداث متتالية انتهت بمجزرة مدرسة المدفعية في حلب عام 1979 وما تبعها من عمليات اغتيال وصدامات مسلحة، دخلت البلاد في واحدة من أكثر مراحلها دموية...

- في تلك اللحظة لم يعد الانتماء الحزبي هو المعيار الأول...
- ولم تعد الكفاءة أو الموقع التنظيمي هي المحددات الأساسية...
بل :
بدأ معيار جديد يفرض نفسه هو : "الولاء الشخصي"...

ولأن الأنظمة حين تشعر بالخطر تميل دائماً إلى البحث عن دوائر الثقة الضيقة، أخذت السلطة تنزاح تدريجياً من المجال الوطني العام إلى المجال العائلي والطائفي، وهنا وقعت الكارثة الكبرى...

فالعلويون الذين قيل إن النظام يحكم باسمهم دفعوا ثمناً باهظاً لهذا الخيار، فقد جرى اختزال طائفة كاملة في شخص واحد ونظام واحد وسياسة واحدة، وأصبح أبناء الطائفة وقوداً لصراعات لم يختاروها بالضرورة.

ومع مرور العقود سقط مئات الآلاف من السوريين من مختلف المكونات، وكان بين الضحايا عدد هائل من أبناء الطائفة العلوية نفسها الذين وجدوا أنفسهم في قلب معركة الدفاع عن نظام أكثر مما هو دفاع عن دولة...

ومن هنا يبرز السؤال التاريخي الذي ما زال يستحق البحث:

- هل كانت مواجهة الإخوان المسلمين هي التي دفعت حافظ الأسد نحو هذا المسار؟..
- هل قدمت له الحركة الإسلامية المسلحة الذريعة المثالية لتوسيع القبضة الأمنية وإعادة تشكيل الدولة على أساس الولاء الشخصي؟..

أم أن المشروع كان قائماً أصلاً، وجاءت تلك المواجهة لتوفر له الفرصة التاريخية كي يكتمل؟..

لا أملك جواباً قاطعاً.

وربما لن يملك أحد جواباً نهائياً قبل فتح أرشيف تلك المرحلة بكل تفاصيله...

لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن الطرفين أسهما، كل بطريقته، في إضعاف فكرة الدولة الوطنية، الإخوان حين اختاروا السلاح بدلاً من السياسة، والسلطة حين اختارت الأمن بدلاً من الإصلاح...

-الإخوان حين حاولوا فرض مشروعهم بالقوة...
- والنظام حين رد بمشروع سلطة مغلقة لا تقبل المشاركة...

والنتيجة أن سورية دفعت الثمن مرتين:

- مرة عندما هُزمت السياسة...
- ومرة عندما انتصر الخوف...

إلا أن المفارقة الأشد قسوة أن البلد الذي دخل الثمانينيات وهو يواجه تمرداً إسلامياً محدوداً، خرج بعد أربعة عقود ليجد الإسلاميين في قلب السلطة نفسها...

وكأن التاريخ أراد أن يسخر من الجميع فكل ما جرى باسم مواجهة الإسلام السياسي لم يمنع وصوله في النهاية إلى مركز المشهد...

وكل ما جرى باسم حماية الدولة أدى إلى تآكل الدولة ذاتها، لهذا لا أستطيع أن أشارك أولئك الذين يقارنون بين مرحلتين وكأن إحداهما فردوس مفقود والأخرى جحيم مطلق.

ومع كل ذلك إلا إن المأساة السورية أكبر من ذلك بكثير:

- إنها مأساة التحول من دولة كان يفترض أن تُبنى على المواطنة إلى سلطة بُنيت على الولاء...
- ثم من سلطة الولاء إلى انقسامات متراكمة انفجرت في وجه الجميع...
لكل هذا :
- فقد ضاعت سورية يوم توقف المشروع الوطني عن كونه مشروعاً لجميع السوريين...
- وضاعت أكثر عندما جرى استبدال الانتماء للدولة بالانتماء للأشخاص والجماعات والطوائف...

ولذلك:
 فإن الدرس الأهم الذي ينبغي أن نتعلمه اليوم ليس الدفاع عن عهد أو مهاجمة عهد آخر.

بل إدراك حقيقة بسيطة:

- حين تختطف الدولة لصالح شخص، تضيع...
- وحين تختطف لصالح طائفة، تضعف...
- وحين تختطف لصالح جماعة عقائدية، تنقسم...

" أما حين تكون ملكاً لجميع مواطنيها، فذلك وحده هو الطريق الذي يمنحها فرصة البقاء".