سورية بين إرث الماضي وتحديات المستقبل

Salah Kirata • ١٠‏/٦‏/٢٠٢٦

44368.png

سورية بين إرث الماضي وتحديات المستقبل

بعد عام ونصف من سقوط النظام الأسدي، لا يزال السؤال الذي يتردد في المجالس والمنتديات السياسية ووسائل الإعلام هو ذاته: إلى أين تتجه سوريا؟

ليس هذا السؤال ترفاً فكرياً، بل هو انعكاس لحالة عامة من الترقب والقلق يعيشها السوريون وهم يراقبون ولادة مرحلة جديدة بعد عقود من الاستبداد والحروب والانهيار الاقتصادي. فبرغم أن كثيرين يرون في القيادة الحالية عامل استقرار يخفف من المخاوف ويمنح أملاً بإمكانية العبور نحو المستقبل، إلا أن هذا الشعور لا يلبث أن يتعرض للاهتزاز مع كل أزمة سياسية أو أمنية أو اقتصادية تظهر على السطح.

والحقيقة أن هذا القلق مفهوم ومبرر. فبلد تعرض طوال أكثر من ستة عقود لتدمير الحياة السياسية، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتمزيق النسيج الاجتماعي، لا يمكن أن يستعيد عافيته خلال أشهر أو حتى سنوات قليلة. غير أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الخراب الموروث، بل في طبيعة القوى التي تتصدر عملية إعادة البناء.

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية والأكثر أهمية: هل تستطيع الحركات الإسلامية التي وصلت إلى السلطة، والتي ارتبطت في مراحل سابقة بخطابات وممارسات ذات طابع جهادي، وتحمل إرثاً سياسياً وأيديولوجياً أثار الكثير من الجدل داخلياً وخارجياً، أن تتحول إلى قوة وطنية مدنية تقود مشروع دولة حديثة؟

إن التجارب السياسية تعلمنا أن الحركات العقائدية تستطيع أن تنتقل من منطق الجماعة إلى منطق الدولة، لكن هذا الانتقال ليس سهلاً ولا تلقائياً. فالدولة تختلف جذرياً عن التنظيم. التنظيم يقوم على الولاء الفكري والانضباط العقائدي، أما الدولة فتقوم على المواطنة المتساوية والتعددية واحترام الاختلاف وسيادة القانون.

لذلك فإن المعيار الحقيقي للحكم على أي سلطة جديدة لا يتمثل في شعاراتها أو خلفياتها الفكرية، بل في سلوكها السياسي وممارساتها العملية. فهل ستقبل بالتعددية السياسية؟ وهل ستؤمن بحق المعارضة في الوجود؟ وهل ستضمن المساواة بين المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو القومية؟ وهل ستخضع مؤسسات الحكم للقانون والمحاسبة؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد طبيعة سوريا المقبلة.

إن السوريين اليوم لا يبحثون عن استبداد جديد بمرجعية مختلفة، ولا يريدون استبدال سلطة شمولية بأخرى. ما يطمحون إليه هو قيام دولة يشعر فيها الجميع أنهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، دولة تحترم الحريات العامة، وتؤمن التداول السلمي للسلطة، وتحتكم إلى الدستور والقانون لا إلى الولاءات الضيقة أو التفسيرات الأيديولوجية المغلقة.

ومن هنا فإن التحدي الأكبر أمام السلطة الحالية ليس إدارة الملفات الأمنية أو الاقتصادية فحسب، بل إثبات قدرتها على بناء عقد اجتماعي جديد يطمئن جميع السوريين. عقد يقوم على الشراكة الوطنية، ويؤسس لدولة المؤسسات لا دولة الأشخاص، ولدولة المواطنة لا دولة الغلبة.

إن مستقبل سوريا لن يتحدد بما كانت عليه هذه الحركات في الماضي، بل بما ستختاره لنفسها وللبلاد في الحاضر والمستقبل. فالتاريخ يمنح الفرص، لكنه لا يمنح الضمانات. والنجاح لن يقاس بامتلاك السلطة، بل بالقدرة على استخدامها لبناء دولة عادلة وقادرة على استيعاب جميع أبنائها.

خاتمة

في تقديري، لا ينبغي أن يكون النقاش محصوراً في هوية من يحكم بقدر ما يجب أن يتركز على طبيعة النظام الذي يُراد بناؤه. فالدول الحديثة لا تُقاس بانتماءات الحكام الفكرية أو الدينية، بل بمدى احترامها للقانون والحريات وحقوق الإنسان.

لذلك فإن الطريق الأقصر نحو استقرار سوريا يمر عبر إعلان واضح لا لبس فيه للالتزام بالدولة المدنية، وصياغة دستور توافقي يكرس المواطنة المتساوية، وإطلاق حياة سياسية تعددية حقيقية، وفصل مؤسسات الدولة عن أي هيمنة أيديولوجية أو فئوية، إضافة إلى بناء قضاء مستقل وضمان حرية الإعلام والمجتمع المدني.

فإذا نجحت السلطة الجديدة في تحقيق هذه الاستحقاقات، ستتمكن من تحويل الشكوك إلى ثقة والقلق إلى أمل. أما إذا بقيت أسيرة عقلية التنظيم ومنطق الغلبة، فإن سوريا ستجد نفسها أمام إعادة إنتاج للأزمة بأشكال مختلفة، وهو ما لا يحتمله السوريون بعد كل ما دفعوه من أثمان باهظة.