
مع حلول شهر رمضان المبارك، تسلط الأبحاث العلمية الحديثة الضوء على التحولات النوعية التي يمر بها جسم الصائم، مؤكدة أن الامتناع عن الطعام والشراب لساعات محددة لا يمثل مجرد شعيرة دينية، بل هو "بروتوكول علاجي" متكامل يطال أجهزة الجسم الحيوية، وفي مقدمتها الكبد والجهاز الهضمي.
الكبد.. تعافٍ من التشحم عبر "البروتين الذكي"
كشفت دراسة مشتركة أجراها المركز الألماني لأبحاث السرطان بالتعاون مع مركز "هيلهولتس" في ميونيخ، عن فوائد جوهرية للصيام في مواجهة مرض الكبد الدهني. وأوضحت الدراسة المنشورة في دورية "موليكولار ميدسين" أن الصيام يحفز الجسم على إنتاج بروتين خاص يعمل على تنظيم التحولات الكيميائية داخل الكبد، مما يؤدي مباشرة إلى تقليل تراكم الدهون فيه.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور "آدم روز" من المركز الألماني لأبحاث السرطان، أن فهم آلية تأثير الصيام على الكيمياء الحيوية للجسم يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السمنة وتداعيات تشحم الكبد، مشيراً إلى أن فترة الصيام تمنح الكبد – وهو المسؤول الأول عن تنقية السموم – فرصة مثالية للتعافي نتيجة انخفاض العبء المعالج للمواد الغذائية.
إعادة ضبط أجهزة الجسم: من البنكرياس إلى الأعصاب
لا تقتصر المكاسب الصحية على الكبد فحسب، بل تمتد لتشمل:
- البنكرياس والسكري: يساهم الصيام في إراحة البنكرياس عبر خفض إنتاج الأنسولين، مع زيادة حساسية الخلايا له، وهو ما يعد ميزة استراتيجية لمرضى السكري من النوع الثاني.
- الجهاز الهضمي: يساعد الصيام في انكماش المعدة المتمددة وتجديد غشائها المخاطي والأمعاء، علاوة على تحسين "الفلورا المعوية" (البكتيريا النافعة).
- القلب والآلام المزمنة: يسجل الصائمون انخفاضاً ملحوظاً في مستويات الكولسترول وضغط الدم، إضافة إلى تراجع حدة الآلام المزمنة مثل التهابات المفاصل الروماتزمية.
- الصحة النفسية والعصبية: تدعم الأبحاث دور الصيام في تجديد الخلايا العصبية وتحسين الحالة المزاجية العامة.
جدل الماء البارد: حقائق علمية مقابل معتقدات شائعة
وفيما يخص العادات الغذائية، حسمت تقارير علمية نشرها موقعا "ميديكال نيوز تودي" و"ساينس أي بي سي" الجدل حول شرب الماء البارد. وأكدت الأبحاث أنه لا يوجد دليل قطعي على ضرر الماء البارد، باستثناء حالات نادرة قد يسبب فيها انقباضاً لعضلات المعدة مما يعسر الهضم.
وأوصت دراسة أجريت عام 2013 بأن الماء بدرجة حرارة 16°C (درجة حرارة الصنبور المعتدلة) هو الأنسب لتروية الجسم بعد الجهد والتعرق. كما فند الخبراء الاعتقاد السائد بأن المثلجات تسبب نزلات البرد، مؤكدين غياب الأدلة العلمية على ذلك، مع التحذير فقط للمصابين بمرض "آخالاسيا" (صعوبة البلع)، حيث يفضل لهم شرب الماء الدافئ لتجنب المضاعفات.
فرصة ذهبية للإقلاع عن التدخين
من جانبه، شدد الدكتور أحمد الملا، مدير مركز مكافحة التدخين بمؤسسة حمد الطبية، على أن ساعات الصيام التي تمتد لنحو 14 ساعة هي "فرصة مثالية" للتحرر من الإدمان. وأوضح أن الجسم يبدأ بالتخلص من غاز أول أكسيد الكربون السام خلال 8 ساعات من آخر سيجارة، فيما تستعيد حواسا الشم والتذوق عافيتهما تدريجياً، مما يمنح المدخن دافعاً بيولوجياً قوياً للإقلاع النهائي.
المصادر: دوتشيه فيله - الجزيرة