
حين تصبح القيم مرآة للسلطة لا للإنسان
تبدو فكرة القيم في ظاهرها كأنها أرض مشتركة بين البشر، مساحة يتقاطع فيها ما يُفترض أنه خير وعدل وحرية. لكن التاريخ، حين يُقرأ بهدوء بعيدًا عن صخب الشعارات، يكشف أن القيم ليست دائمًا ما يرفع الإنسان، بل قد تتحول إلى ما يُستخدم لتبرير موقعه في العالم.
فكل حضارة، في لحظة ازدهارها، تميل إلى تقديم نفسها بوصفها الاستثناء الأخلاقي في مسار البشرية؛ كأنها وُلدت من صفاء خالص، بينما تُختزل أخطاء الآخرين في صورة “انحرافات” معزولة. غير أن هذا السرد يتجاهل عمدًا أن مسارات القوة غالبًا ما تتقاطع مع خرائب الآخرين، وأن ما يُكتب بوصفه مجدًا قد يكون، من زاوية أخرى، قصة فقدان طويل لم تُتح له فرصة السرد.
السؤال الذي يتكرر في كل عصر عن الديمقراطية والحرية والعدالة لا يتعلق بوجودها كشعارات، بل بما يحدث لها عندما تلتصق بمراكز القوة. عندها فقط يتضح أن المفاهيم الكبرى ليست محصنة بطبيعتها، وأنها قابلة لأن تُعاد صياغتها وفق ميزان القوة لا وفق جوهرها النظري. فالحرية قد تُستخدم لتبرير الإقصاء، والقانون قد يتحول إلى أداة انتقائية، والعدالة قد تُدار بمنطق الموازين لا بمنطق الإنصاف.
المعضلة ليست في أن الإنسان يخطئ؛ فهذا جزء من سيرورة التاريخ كله. لكن الإشكال الأعمق يكمن في ميل الأمم إلى تبرير أخطائها باعتبارها ضرورة تاريخية، بينما تُقدَّم أخطاء الآخرين كدليل إدانة نهائي. وبهذا الشكل تتشكل ذاكرة غير متكافئة: ذاكرة تمجّد الذات وتدين الآخر دون مساحة حقيقية للتأمل المشترك.
وكم من مشاريع كبرى رفعت شعارات التحرر والخلاص، ثم وجدت نفسها تعيد إنتاج أنماط السيطرة التي ثارت عليها، لكن بأدوات أكثر نعومة ولغة أكثر إقناعًا. وكم من تجارب خرجت من صراع مع الاستبداد، لتكتشف لاحقًا أنها أعادت إنتاجه داخل بنيتها، وإن بوجوه مختلفة.
المفارقة أن الأمم غالبًا ما تتجنب النظر إلى مناطقها المظلمة في التاريخ. فهي تميل إلى التركيز على إنجازاتها ومؤسساتها ورموزها، بينما تُهمّش الصفحات التي ارتبطت بالقوة العارية أو بالصمت تجاه معاناة الآخرين. وكأن الذاكرة الجماعية تُعاد صياغتها بطريقة انتقائية تحفظ صورة الذات أكثر مما تحفظ الحقيقة.
من هنا، يصبح اختلاف الرؤى بين الشعوب أمرًا مفهومًا. فبعضها يرى نفسه في موقع من يشرح للعالم معاييره، بينما يرى الآخر أن أي خطاب عن القيم يجب أن يمر أولًا عبر مراجعة الذات، لا عبر تصدير الدروس. فالمسألة ليست من يملك الخطاب الأكثر إقناعًا، بل من يملك الشجاعة الكافية للاعتراف بتناقضاته.
في النهاية، لا تكشف السلطة أخلاق الأمم بقدر ما تكشف حدودها الحقيقية. فالقيم ليست ما يُقال في أوقات الاستقرار، بل ما يبقى منها حين تُختبر في لحظات النفوذ والقرار. والتاريخ لا يحفظ خطابات الانتصار بقدر ما يحفظ أثرها في حياة من لم يُسمع صوتهم.
وربما يظل السؤال الأهم الذي يتجاوز زمن الانتصارات والهزائم هو: هل تستطيع أي قوة، حين تمتلك زمام العالم، أن تبقى وفية لما ادعته عن نفسها حين كانت في موقع المعارضة؟
فالتاريخ في جوهره ليس سجلًا لأحكام نهائية، بل مساحة طويلة من المراجعة. وكل أمة، حين تنظر إليه بصدق، لا ترى الآخرين فقط، بل ترى صورتها هي أيضًا كما لم تشأ أن تراها من قبل.