
خمس ليالٍ من الصمت...
ثم عاد اللهيب:
لماذا استأنفت واشنطن قصف إيران؟.
لم يكن توقف الضربات الأمريكية على إيران لمدة خمس ليالٍ متتالية مؤشراً إلى أن الحرب قد وضعت أوزارها، ولا دليلاً على أن واشنطن وطهران تقتربان من تسوية سياسية، فمنذ البداية بدا واضحاً أن الهدوء لم يكن سوى استراحة عملياتية أكثر منه تحولاً استراتيجياً، وأن قرار استئناف القتال سيتخذ فور اقتناع أحد الطرفين بأن ميزان الردع بدأ يميل لصالح الآخر...
وفجر الخميس، وفق توقيت الشرق الأوسط، أنهت الولايات المتحدة تلك الهدنة القصيرة، مستأنفةً حملة جوية واسعة بعد توقف دام خمس ليالٍ كاملة، في عملية استمرت نحو ساعتين، وجاءت – بحسب الرواية الأمريكية – رداً على هجوم صاروخي إيراني استهدف قاعدة أمريكية في الأردن، قالت واشنطن إنها اعترضته بنجاح دون وقوع خسائر بشرية...
ووفق ما أعلنته القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، فقد استهدفت الغارات سلسلة واسعة من الأهداف العسكرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، شملت مراكز القيادة والسيطرة، ومنشآت إطلاق وتخزين الصواريخ الباليستية، وقواعد ومستودعات الطائرات المسيّرة، ومنظومات الدفاع الجوي والرادارات والإنذار المبكر، إضافة إلى مواقع المراقبة والدفاع الساحلي والقدرات البحرية التي تقول واشنطن إنها تستخدم في تهديد الملاحة الدولية في الخليج ومضيق هرمز...
ورغم اتساع العملية، فإن وزارة الدفاع الأمريكية تعمدت عدم الكشف عن القواعد أو المنصات التي انطلقت منها الطائرات المشاركة في الهجوم، مكتفية بالإشارة إلى أن الضربات نُفذت بواسطة قدرات جوية أمريكية متعددة، وهو أمر اعتاده المخططون العسكريون الأمريكيون حفاظاً على سرية مصادر النيران وخطط الانتشار العملياتي...
إن أهمية هذه الضربات لا تكمن فقط في حجم الأهداف التي طالتها، وإنما في توقيتها السياسي أيضاً. فالولايات المتحدة كانت قد علقت عملياتها خلال الأيام الماضية في خطوة فسرتها بأنها إفساح للمجال أمام فرصة دبلوماسية واختبار لنية طهران في خفض التصعيد، بينما كانت إيران تؤكد أنها لن تبادر إلى الهجوم ما دام القصف الأمريكي متوقفاً. لكن هذه المعادلة انهارت سريعاً مع أول مواجهة جديدة، لتعود قاعدة "الرد يقابله رد" وتحكم المشهد من جديد...
وهذا يعني أن فترة التوقف لم تكن وقفاً لإطلاق النار بالمعنى الحقيقي، وإنما كانت هدنة هشة يمكن أن تنهار مع أول حادث ميداني، وهو ما حدث بالفعل. لذلك فإن استئناف الضربات لا ينبغي قراءته بوصفه بداية حرب جديدة، بل استمراراً للحرب نفسها بعد انقطاع قصير فرضته الحسابات العسكرية والسياسية...
وإذا كان القصف الأمريكي قد حمل رسالة عسكرية مباشرة إلى طهران، فإنه حمل في الوقت ذاته رسالة سياسية إلى حلفاء واشنطن وخصومها مفادها أن الولايات المتحدة لا تزال متمسكة بسياسة الردع، وأنها لن تسمح لإيران بفرض قواعد اشتباك جديدة أو استثمار فترة التهدئة لإعادة تنظيم قدراتها العسكرية...
في المقابل:
تبدو إيران أمام معادلة معقدة؛ فهي لا تستطيع تجاهل الضربات الأمريكية حفاظاً على هيبتها الداخلية والإقليمية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن توسيع دائرة الرد قد يدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة لا تبدو مستعدة لتحمل كلفتها في هذه المرحلة...
وهكذا، فإن ما جرى فجر الخميس ليس مجرد استئناف لغارات توقفت خمسة أيام، بل إعلان واضح بأن نافذة التهدئة كانت أضيق بكثير مما ظن كثيرون، وأن الشرق الأوسط عاد مجدداً إلى مربع التصعيد، حيث تتقدم لغة الصواريخ على لغة السياسة، وتصبح كل هدنة مجرد محطة مؤقتة في حرب لم تقل كلمتها الأخيرة بعد...
لكن كل هذا لايعني أن إيران بمباشرتها استهداف اهداف أمريكية ضمن جغرافيا المملكة الأردنية الهاشمية، يشكل تغييرا في قواعد الاشتباك فلأول مرة تكون إيران في مكان البادىء لا من يرد ؟!