
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
في السياسة الدولية لا تُقاس الحروب بعدد الصواريخ التي تُطلق ولا بحجم القوة النارية المستخدمة، بل بقدرة تلك الحروب على تحقيق أهداف سياسية واضحة يمكن تحويلها إلى مكاسب استراتيجية دائمة. ومن هنا تبدو أي مواجهة شاملة جديدة بين الولايات المتحدة وإيران سؤالًا معقدًا يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة إلى حسابات أكثر عمقًا تتعلق بمستقبل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط واستقرار النظام الدولي للطاقة والتجارة.
خلال العقود الماضية اعتادت واشنطن النظر إلى القوة العسكرية باعتبارها الأداة الحاسمة لحل الأزمات الكبرى. غير أن تجارب العراق وأفغانستان وسواهما كشفت أن إسقاط الأنظمة أو تدمير البنى العسكرية لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار أو فرض ترتيبات سياسية جديدة تخدم المصالح الأميركية. ولهذا السبب أصبح صانع القرار الأميركي أكثر حذرًا في التعامل مع النزاعات التي تفتقر إلى نهاية واضحة أو إلى تصور واقعي لما سيأتي بعد العمليات العسكرية.
في الحالة الإيرانية تبدو المعضلة أكثر تعقيدًا. فإيران ليست دولة تعتمد في قوتها على جيش تقليدي فقط، بل بنت على مدى عقود منظومة متعددة المستويات من القدرات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية. هذه المنظومة صُممت أساسًا للتعامل مع خصوم يتفوقون عليها تقنيًا وتسليحيًا، ما يجعل استنزافها أو إخضاعها عملية طويلة ومكلفة وغير مضمونة النتائج.
كما أن أي تصعيد واسع النطاق لن يبقى محصورًا داخل الجغرافيا الإيرانية. فالمنطقة بأكملها تمتلك قابلية عالية للاشتعال، بدءًا من الممرات البحرية الحيوية ووصولًا إلى منشآت الطاقة والبنية التحتية الاقتصادية المنتشرة في الخليج والبحر الأحمر. ولذلك فإن اتساع دائرة المواجهة قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في أسواق النفط والغاز، ويضع الاقتصاد العالمي أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار في وقت تعاني فيه معظم الدول من أزمات مالية وتضخمية متراكمة.
ولعل المفارقة الأكثر أهمية أن الدول الحليفة لواشنطن قد تكون من بين أكبر المتضررين من أي حرب طويلة. فالقواعد العسكرية والمنشآت الاستراتيجية والمراكز الاقتصادية الكبرى ستتحول تلقائيًا إلى نقاط حساسة ضمن أي معادلة ردع متبادل، وهو ما يفرض أثمانًا أمنية واقتصادية باهظة على المنطقة بأسرها.
إلى جانب ذلك، تواجه الولايات المتحدة اليوم أولويات دولية مختلفة عمّا كانت عليه قبل عقدين. فالتنافس مع الصين، والحرب في أوكرانيا، والتحولات في موازين القوى العالمية، كلها ملفات تستنزف الموارد والاهتمام السياسي الأميركي. ومن هذا المنطلق تبدو المغامرة بحرب جديدة في الشرق الأوسط خيارًا يصعب تبريره أمام المؤسسات الأميركية التي تنظر إلى الصراع من زاوية الكلفة والعائد لا من زاوية الانفعال السياسي أو الاستعراض العسكري.
إن جوهر المسألة لا يكمن في قدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربات مؤلمة لإيران، فهذه القدرة موجودة بلا شك، وإنما في السؤال الأهم: ماذا بعد الضربة؟ وما هو الشكل النهائي للنصر؟ وكيف يمكن منع المنطقة من الانزلاق إلى سنوات طويلة من الفوضى وعدم اليقين؟ وهي أسئلة لم يحصل الرأي العام الدولي حتى الآن على إجابات واضحة عنها.
ومن هنا يمكن فهم تزايد الأصوات التي ترى أن الدبلوماسية، مهما بدت بطيئة ومحبطة، تبقى أقل كلفة من حرب قد تعيد رسم خريطة الأزمات في الشرق الأوسط وتفتح أبوابًا يصعب إغلاقها لاحقًا. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير أهداف محددة، لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام إقليمي مستقر أو إنتاج تسويات سياسية مستدامة.
وفي تقديري، فإن البعد الاستراتيجي الأهم يتمثل في أن ميزان الردع في المنطقة تغيّر بصورة جوهرية خلال السنوات الأخيرة. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بتفوق الطائرات والسفن والقواعد العسكرية، بل بقدرة الأطراف على فرض كلفة متبادلة على الخصم وعلى بيئته الاقتصادية والسياسية. لذلك فإن أي حرب أميركية شاملة ضد إيران قد تنتهي بإظهار حجم القوة الأميركية، لكنها قد تكشف في الوقت نفسه حدود هذه القوة وعجزها عن تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي دائم. ولهذا يبدو أن خيار الاحتواء وإدارة الصراع، مهما كان معقدًا، أصبح بالنسبة لواشنطن أكثر عقلانية من خيار المواجهة المفتوحة التي قد تربح معاركها العسكرية وتخسر أهدافها الاستراتيجية.