--:--
مقر خاتم الانبياء يقول إن أي ادعاء على مرور سفن عبر مضيق هرمز غير صحيح. تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران خلال الساعات الماضية، تبادل ضربات واستهداف مواقع عسكرية في الخليج، وسط توتر متزايد ومخاوف من توسع المواجهة وارتفاع أسعار النفط عالمياً. إيران تقول انها أغلقت مضيق هرمز أمام كافة أنواع السفن اي كانت الإعلام التي ترفعها بحرية مايسمى الحرس الثوري الايراني تقول انها استهدفت سفينتان حاولتا المرور عبر مضيق هرمز بشكل غير قانوني، حسب الزعم الإيراني

هل بدأ مشروع حافظ الأسد ضد سورية قبل أن يصبح رئيساً؟

Salah Kirata • ١٠‏/٦‏/٢٠٢٦

45728.png


هل بدأ مشروع حافظ الأسد ضد سورية قبل أن يصبح رئيساً؟:

من بين أكثر الأسئلة إثارة للجدل في التاريخ السوري المعاصر سؤال لا يزال يفرض نفسه رغم مرور عقود على وصول حافظ الأسد إلى السلطة هو :

-  هل كانت السياسات التي انتهت بإضعاف الدولة السورية وتفكيك مجتمعها نتيجة أخطاء متراكمة فرضتها الظروف، أم أنها كانت ثمرة مشروع بدأ مبكراً قبل أن يصل الرجل إلى قمة السلطة؟

السؤال ليس أخلاقياً فحسب، بل تاريخي وسياسي في المقام الأول، وهو لا يبحث عن وفي النوايا، بقدر ما يبحث عن النتائج والمسارات والوقائع التي صنعت سورية التي نعرفها اليوم.

تبدأ الشكوك من مرحلة مبكرة في حياة الأسد العسكرية، فقد وردت روايات عن غيابه وأقصد حافظ الأسد لافت له أثناء إحدى المهمات التدريبية الخارجية حيث كانت الوجهة المملكة المتحدة، التي شارك فيها ضباط سوريون، وهي واقعة بقيت محاطة بالغموض ولم تقدم حولها رواية رسمية مقنعة تنهي الجدل، ليس هذا فقط فقد طويت الحادثة وكأنها لم تحصل، وهذا يؤشر أن هناك ثقلا ما كان يقف خلف الغياب وهو من تكفل بطيه وعدم التحقيق به لمعرفة أسبابه وكذا اين اختفي ومع من التقى، وعلى ماذا تم الاتفاق، وبصرف النظر عن صحة التأويلات التي نسجت حول تلك الحادثة، فإنها بقيت جزءاً من الأسئلة التي لم تجد جواباً نهائياً في التاريخ السوري...

لكن الوقائع الأكثر أهمية لا تتعلق بما هو غامض، بل بما هو معروف وموثق.

فبعد ثورة الثامن من آذار 1963 شارك الأسد، إلى جانب صلاح جديد والضباط البعثيين الآخرين من مكون واحد مثل محمد عمران، في عملية إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية السورية، على قياس مشروع ضيق بعينه، فخلال سنوات قليلة جرى تسريح وإبعاد أعداد كبيرة من الضباط بذريعة الانفصال أو الناصرية أو عدم الولاء السياسي، ليثبت لاحقا أن جميع من سرحوا كانوا من العرب السنة، والنتيجة العملية كانت تراجع مبدأ المهنية العسكرية لمصلحة الولاء السياسي والطائفي، وبينما تختلف التفسيرات حول حجم هذا التحول وطبيعته، فإن كثيراً من الباحثين يتفقون على أن تلك المرحلة شكلت بداية تفكيك الجيش الوطني بوصفه مؤسسة جامعة للسوريين...

ثم جاءت حرب حزيران 1967 لتفتح الجرح الأكبر:
وقتها كان حافظ الأسد وزيراً للدفاع عندما صدر البلاغ العسكري رقم 66 الذي أعلن سقوط القنيطرة قبل وصول القوات الإسرائيلية إليها فعلياً وفق شهادات ووثائق عديدة ظلت محل نقاش تاريخي وسياسي. وقد أدى البلاغ إلى حالة من الفوضى والانسحاب ساهمت في سقوط الجولان بالكامل. ومنذ ذلك التاريخ بقي السؤال مطروحاً:
-  كيف أمكن أن يصدر مثل هذا البلاغ؟..
-  ولماذا لم تجر محاسبة سياسية أو عسكرية حقيقية على واحدة من أكبر الكوارث في التاريخ السوري الحديث؟..
- ومع كل ذلك تكررت حادثة غيابه عن رفاقه في بريطانيا، فكان أن طوي الملف بقدرة قادر وكأنه لم يحدث، وكذا وكأن جزءا هاما واستراتيجيا من الجسد السوري لم يسقط وربما لم يباع، علما أن المثير أن الهزيمة لم تنه المسيرة السياسية للأسد، بل كانت مقدمة لصعوده.

ففي عام 1970 أطاح رفاقه في القيادة البعثية فيما سمي "الحركة التصحيحية"، غير أن تقييم تلك الحركة اليوم يختلف جذرياً عن الخطاب الرسمي الذي رافقها، فبدلاً من تصحيح ماكان يقال عن أخطاء النظام السابق جاء حافظ الأسد بحركته ليصحهها، إلا أنها اي الحركة أسست  لنظام حكم فردي غير مسبوق في سورية الحديثة، فقد تحولت الدولة تدريجياً إلى امتداد لشخص الرئيس، وأصبح الحزب أداة تعبئة سياسية لا مركزاً لصناعة القرار، وظهرت شعارات من قبيل "قائد المسيرة" و"قائدنا إلى الأبد"، وبينهما شائعة " بأني سورية الحديثة" كله في وقت تراجعت المؤسسات لصالح سلطة الفرد...

ومع مرور الوقت لم يعد الحزب يقود الدولة، بل صار تابعاً لها، ثم تحول عملياً إلى جهاز سياسي وإعلامي يدور في فلك الرئاسة...

أما المسألة الطائفية، وهي من أكثر الملفات حساسية، فلا يمكن فهمها بعيداً عن التحولات التي شهدتها المؤسسة العسكرية والأمنية خلال العقود التالية، فالنظام الذي رفع شعارات قومية وعلمانية انتهى إلى بناء مراكز القوة الأساسية داخل دوائر ضيقة ترتبط بالولاء الشخصي والعائلي والطائفي، ولم يؤد ذلك إلى اختطاف الدولة فقط، بل إلى إلحاق ضرر بالغ بالطائفة العلوية نفسها التي جرى ربط مصيرها بمصير النظام، رغم أن ملايين السوريين من مختلف الطوائف كانوا خارج معادلات السلطة والنفوذ...

ثم جاءت أحداث أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، عندما دخل النظام في مواجهة دامية مع جماعة الإخوان المسلمين، ولا خلاف هنا على أن الجماعة ارتكبت أعمال عنف واغتيالات وتفجيرات، بدأت عمليا بمجزرة كلية مدفعية الميدان في ١٦ / ٦ / ١٩٧٩ لكن النتيجة النهائية للصراع لم تكن القضاء على التمرد فقط، بل إعادة تشكيل الجيش والأجهزة الأمنية بطريقة عززت قبضة الاسد إلى مستويات غير مسبوقة، بشكل يوحي وكأنه هو اي حافظ الأسد هو من ادار هذه الجريمة أو خطط لها أو ربما هو من استدرج جماعة الإخوان المسلمين المجرمة والعميلة للقيام بها لأن النتائج ثبت في مصلحة مشروع حافظ الأسد في الأطباق على السلطة، حيث استفاد من تلك الأحداث إلى أقصى حد ممكن لترسيخ بنية حكم أكثر انغلاقاً واعتماداً على شبكات الولاء...

بعد ذلك أصبحت سورية دولة يحكمها رجل واحد عملياً:

في هذه المرحلة التي أسست عمليا لدمار سورية التي كانت توصل بقلب العروبة النابض تراجعت الحياة السياسية، وتعطلت آليات المحاسبة، وغابت المنافسة الحقيقية، وتحولت الانتخابات إلى إجراءات شكلية، أما الحزب الذي قاد ثورة 1963 فلم يعد سوى واجهة سياسية لنظام رئاسي مطلق...

وعندما وصل المشروع إلى مرحلته الأخيرة عبر توريث السلطة عام 2000، انتقلت سورية من الجمهورية إلى ما يشبه الملكية الجمهورية، وكان ذلك التوريث تتويجاً لمسار طويل من تآكل المؤسسات، فحين ورث الابن السلطة لم يكن يرث حزباً أو دولة مؤسسات، بل منظومة صممت أصلاً لتبقى في يد عائلة واحدة...

ومن هنا أجزم واقول ما أراه واقعا ثبتته وقائع وهي  أن الحرب التي انفجرت لاحقاً على صورة حرب أهلية بأزياء طائفية، لم تكن حادثاً منفصلاً عن تاريخ حافظ الأسد واسرته، بل كانت النتيجة الطبيعية لمسار طويل بدأ قبل عقود، فالدولة التي أفرغت من السياسة ومن المؤسسات ومن التوازنات الوطنية أصبحت أكثر عرضة للانهيار عندما واجهت أخطر اختبار في تاريخها...

أما النتيجة التي يركز عليها هؤلاء فهي أن سورية خرجت في نهاية المطاف من موقعها التقليدي في الصراع مع إسرائيل إلى واقع جديد مختلف تماما
فبعد توريث الحكم الذي أدى كمحصلة نهائية لحرب أهلية بأدوات طائفية، لتصل كمحصلة جماعات إسلامية لقيادة سورية والغاية الأهم هنا إسرائيل في كل ماحدث فقد قدمت هيئة تحرير الشام عربون صداقة مع اسرائيل منذ الساعات الأولى للانقضاض على الحكم في سورية حيث:

- ألغى التجنيد الإلزامية...
- اخراج سورية من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني...
- إبتعادها مما كان يسمى دول الطوق...
- التنازل العملي عن الجولان ...
- السماح للكيان أن يحتل لا اقل من ٦٠٠ كم٢ من جغرافيا الجنوب السوري خلال تولي الهيئة ومن دار في فلكها من جماعات إسلامية ذات جذور إرهابية وثقافة جهادية الحكم وهي من سيتم التفاوض عليها يوما من أجل توقيع اتفاق اذعان سيسمى اتفاق سلام

- لذلك فإن السؤال الأصلي يعود مجدداً بصورة أكثر إلحاحاً: هل كان ما جرى سلسلة أخطاء سياسية متراكمة، أم أن هناك مشروعاً بدأ منذ وقت مبكر وانتهى إلى هذه النتيجة؟
عموماً:
التاريخ لا يقدم حكماً قضائياً نهائياً، لكنه يقدم الوقائع. أما الحكم فيبقى للقارئ...

غير أن أمراً واحداً يبدو واضحاً: 
إن سورية التي انتهت إلى الانقسام والحرب والتفكك لم تولد عام 2011، بل كانت حصيلة مسار طويل بدأ قبل ذلك بعقود. وكلما أعيد فتح ملفات الجيش والجولان والحركة التصحيحية وبناء الدولة الأمنية والتوريث السياسي، عاد السؤال نفسه ليطرق باب التاريخ من جديد: هل كانت تلك المحطات أخطاء منفصلة، أم حلقات متصلة في مشروع واحد قاد البلاد إلى ما وصلت إليه؟