--:--
تعثر محتمل في مفاوضات السلام بين واشنطن وطهران وسط تصعيد في الخطاب العسكري تصعيد متبادل في الشمال وتحذيرات إسرائيلية من جبهة متعددة مع لبنان وإيران الحرس الثوري الإيراني يعلن تنفيذ “ضربة تأديبية” ويزعم استهداف مواقع عسكرية أمريكية في الأردن محاولات “تطبيع قسري” للوجود الإسرائيلي في الجنوب السوري وسط اتهامات بالضغط الأمني واستغلال ملف المعتقلين تصعيد خطير في الخليج: ترامب يهدد بضرب إيران “بقوة شديدة الليلة” والسيطرة على النفط… والعالم على حافة أزمة مفتوحة وكالة مهر الإيرانية، بدأت ايران المرحلة الأولى من العمليات الهجومية بواسطة الصواريخ والمسيرات .

حين يمدّ ترامب يده إلى دمشق... يجب أن نقلق

Salah Kirata • ١١‏/٦‏/٢٠٢٦

45924.png


حين يمدّ ترامب يده إلى دمشق... يجب أن نقلق؟! :

 لم أشعر بالارتياح يوماً لطبيعة العلاقة التي تتشكل بين أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأمر  ليس متعلقاً بالأشخاص بقدر ما هو متعلق بفهمي لطبيعة السياسة الأمريكية في منطقتنا، وهو فهم يلتقي مع قناعة عبّر عنها، كلٌ في زمانه وظروفه، جمال عبد الناصر وحافظ الأسد، حين اختصر كل منهما تجربته مع واشنطن بمعنى واحد: "كلما كانت أمريكا أكثر عداءً لك، فاعلم أنك تسير في الاتجاه الذي لا يخدم مصالحها" وانا على قدري الذي اعرف التقي معهما فيما قالا عن امريكا...

منذ بدأت إشارات الإعجاب الأمريكي بالشرع تتكاثر، ومنذ تحول الحديث عنه في بعض الأوساط الأمريكية إلى ما يشبه حملة ترويج سياسية، لم يزدني ذلك إلا قلقاً على سورية، فالإطراء الأمريكي ليس شهادة براءة في منطقتنا، بل غالباً ما يكون مؤشراً على وظيفة مطلوبة أو دور يجري التحضير له...

كلما تغنّى ترامب بالشرع، وكلما أضفى عليه صفات ومواصفات قد لا يكون الشرع نفسه قد ادعاها أو حتى يراها في نفسه وفي ادائه لعمله كرئيس انتقالي يسعى لان يكون ابدي لسورية، ازداد شعوري بأن ثمة أمراً يتجاوز المجاملات السياسية المعتادة، لقد بدا ذلك التغني في كثير من الأحيان فجّاً ومكشوفاً ورخيصاً إلى حد يثير الريبة أكثر مما يمنح الطمأنينة.

خلال الأيام الماضية ترددت معلومات عن اتصال هاتفي جرى بين ترامب والشرع، وبعدها مباشرة ظهرت تسريبات تتحدث عن تفكير أمريكي بإشراك الفصائل العسكرية التابعة للشرع، بما فيها فصائل ذات خلفيات وثقافات جهادية، في أي مشروع يستهدف نزع سلاح حزب الله في لبنان...

هنا يجب أن يتوقف السوريون واللبنانيون معاً أمام خطورة ما يُطرح، فالمسألة لا تتعلق بعملية أمنية أو سياسية عادية، بل بإمكانية نقل نموذج الصراع السوري بكل ما حمله من استقطاب مذهبي وطائفي إلى الساحة اللبنانية، ذلك أن أي مواجهة من هذا النوع لن تُقرأ بوصفها نزاعاً سياسياً أو عسكرياً فحسب، بل ستُمنح فوراً بعداً طائفياً خطيراً، بما يهدد بإشعال المنطقة كلها...

أنا على يقين بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان أن حزب الله ليس تنظيماً يمكن تجريده من سلاحه عبر الضربات العسكرية التقليدية وحدها، لا اليوم ولا بعد مئة عام، وقد أثبتت التجارب السابقة أن التفوق التكنولوجي والناري لا يكفي لتحقيق هذا الهدف...

وإن ما يمكن أن ينزع سلاح حزب الله فعلاً هو حرب أهلية مدمرة داخل لبنان، حرب تستنزف المجتمع والدولة والبيئة الحاضنة معاً. وهنا يكمن الخطر الحقيقي...

يدرك المخططون في واشنطن وتل أبيب أن الفصائل السورية راكمت خلال سنوات الحرب خبرة واسعة في قتال المدن والشوارع والأحياء السكنية، ويدركون أيضاً أن هذا النوع من القتال قد يكون أكثر فاعلية في تحقيق ما عجزت عنه الجيوش والأسلحة المتطورة، ولذلك فإن إشراك هذه الفصائل في أي مواجهة داخل لبنان لن يكون مجرد تفصيل عسكري، بل خطوة نحو تحويل الصراع إلى حرب داخلية طويلة ومفتوحة، لكن على طريق مفترض أنه يؤدي إلى نزع سلاح حزب الله، على خلفية الثأرية الساكنة في أعماق كل مقاتل من مقاتلي الفصائل السورية اتجاه حزب الله...

والأخطر من ذلك أن إسرائيل ستكون المستفيد الأول من هذا السيناريو، فإذا تم سحب سلاح حزب الله وتم إغراق لبنان في الفوضى، فإن تل أبيب ستجد نفسها أكثر قدرة على تثبيت وقائع جديدة في المنطقة، وأكثر قدرة على التفرغ لترسيخ وجودها ونفوذها في الجنوب السوري، بعيداً عن أي ضغط فعلي أو تهديد استراتيجي، كون الفصائل السورية ستدمر وهي تعمل على نزع سلاح حزب الله...

واليوم:
 " ومع انتشار أنباء عن زيارة محتملة للشرع إلى الولايات المتحدة خلال الأيام المقبلة، يزداد قلقي مشروعية"...
 
نعم:
" قد يكون الأمر مجرد تكهنات، وقد تكون الزيارة مرتبطة بملفات أخرى، لكنني أخشى أن يكون الملف اللبناني في صلب هذه التحركات"...

أقول ذلك لأن تسلسل الأحداث يبعث على الريبة:
 اتصالات، ثم تسريبات، ثم أحاديث عن أدوار جديدة، ثم حديث عن زيارة إلى واشنطن، وفي السياسة لا توجد مصادفات كثيرة...

لست أجزم بما يدور خلف الأبواب المغلقة، لكنني أجزم بشيء آخر هو: 
أن إدخال سورية في أي مشروع صدامي داخل لبنان سيكون خطأً استراتيجياً فادحاً، وستكون له تداعيات كارثية على الأمن القومي السوري واللبناني معاً...
لن ننسى ولم ننسى بعد ما دفعته
 سورية من ثمن باهظ خلال سنوات الحرب...
لذا:
فإن آخر ما تحتاجه هو أن تتحول من ضحية للفوضى إلى أداة في صناعة فوضى جديدة، كما أن لبنان الذي يقف على حافة الانهيار لا يحتاج إلى مزيد من الحرائق القادمة من الخارج. .

وفي نهاية المطاف، إذا اندفع السوريون واللبنانيون إلى هذا المستنقع، فلن يكون الرابح دمشق ولا بيروت، بل إسرائيل وحدها، أما الخاسر فسيكون شعبين دفعا من الدم والخراب ما يكفي لأكثر من جيل.