
لبنان بين زلازل الإقليم وغموض التسويات الكبرى
في الشرق الأوسط لا شيء يبقى ثابتاً طويلاً. فالتوازنات التي تُبنى خلال أشهر قد تتهاوى خلال أيام، والتحالفات التي تبدو راسخة قد تتحول إلى عبء على أصحابها عند أول منعطف استراتيجي. وفي قلب هذه التحولات يقف لبنان مجدداً على خط التماس بين مشاريع متنافسة وحسابات دولية متشابكة، فيما تبدو قدرته على التأثير في مسار الأحداث أقل من حجم التأثير الذي تتركه تلك الأحداث على مستقبله.
المشهد الإقليمي الحالي لا يوحي بأن المنطقة تتجه سريعاً نحو الاستقرار. فالتذبذب في السياسة الأميركية تجاه إيران يعكس ارتباكاً واضحاً بين خيار التفاهم وخيار الضغط. وبينما تتحدث واشنطن تارة عن فرص للتسوية، تعود في أحيان أخرى إلى لغة القوة والتهديد، الأمر الذي يجعل أي مسار تفاوضي هشاً وقابلاً للانهيار عند أول اختبار ميداني. وفي ظل هذا المناخ، يصبح من الصعب تصور اتفاق مستدام بين الولايات المتحدة وإيران ما لم تُعالج الملفات الجوهرية التي تشكل أساس الصراع بين الطرفين.
أما إسرائيل، فتبدو المستفيد الأول من هذا الضباب الاستراتيجي. فكلما ابتعدت الأنظار عن القضية الفلسطينية وعن الوضع على الجبهة اللبنانية، ازدادت قدرة الحكومة الإسرائيلية على فرض وقائع جديدة على الأرض. وما يجري في الجنوب اللبناني يعكس بوضوح هذا النهج القائم على استثمار الغموض السياسي لخلق معادلات أمنية جديدة قد تتحول مع الوقت إلى حقائق يصعب تغييرها.
ومن هنا تنبع حساسية الحديث عن أي ترتيبات أمنية أو مناطق ذات طابع خاص في الجنوب. فالمشكلة لا تكمن في العناوين المعلنة بقدر ما تكمن في التفاصيل التي قد تحمل تفسيرات متعددة. والتجارب السابقة علمت اللبنانيين أن كثيراً من المشاريع التي تبدأ كإجراءات مؤقتة أو تقنية تتحول لاحقاً إلى عناصر ثابتة في المشهد السياسي والأمني، الأمر الذي يفرض أعلى درجات الحذر عند مقاربة أي صيغة جديدة تتعلق بالحدود أو بالانتشار العسكري أو بآليات الرقابة الدولية.
ويزداد القلق مع اقتراب الاستحقاقات المرتبطة بمستقبل القوات الدولية العاملة في الجنوب. فوجود هذه القوات، رغم كل الملاحظات على أدائها وحدود فاعليتها، يبقى جزءاً من منظومة الاستقرار النسبي التي حالت دون انزلاق المنطقة إلى مواجهات واسعة خلال السنوات الماضية. وأي فراغ أو تغيير جذري في هذه المنظومة قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً وغموضاً.
في المقابل، لا يمكن فصل الساحة اللبنانية عن التطورات التي تشهدها المنطقة الممتدة من الخليج إلى جنوب آسيا. فالتحركات الدبلوماسية والعسكرية الجارية تعكس إدراكاً متزايداً لدى مختلف الدول بأن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة إعادة رسم للنفوذ والأدوار. ومن الطبيعي أن تسعى بيروت إلى قراءة هذه التحولات بدقة، لأن أي خطأ في تقدير الاتجاهات الكبرى قد ينعكس مباشرة على أمنها واستقرارها الداخلي.
أما الحديث عن إدخال أطراف إقليمية جديدة إلى المعادلة اللبنانية، فهو يثير بدوره الكثير من علامات الاستفهام. فمعظم القوى العربية تدرك أن لبنان لا يحتمل فتح جبهات إضافية أو استيراد صراعات جديدة إلى أراضيه. وأي محاولة لتوسيع دائرة المواجهة لن تؤدي إلا إلى زيادة التعقيدات في منطقة تعاني أصلاً من فائض الأزمات والتوترات.
داخلياً، تبدو الساحة السياسية اللبنانية أسيرة الانقسامات التقليدية نفسها. فبين من يرى في المفاوضات فرصة لخفض التوتر وتثبيت الاستقرار، ومن يعتبرها مدخلاً لتقديم تنازلات غير مقبولة، يبقى المشهد محكوماً بالتجاذب والانتظار. غير أن الأخطر من الانقسام نفسه هو غياب رؤية وطنية موحدة لكيفية التعامل مع المتغيرات الإقليمية المتسارعة.
إن لبنان اليوم ليس أمام أزمة عابرة، بل أمام لحظة مفصلية قد تحدد شكل موقعه في الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل ببطء ولكن بثبات. ولذلك فإن الرهان الحقيقي لا يجب أن يكون على تبدل المواقف الدولية أو على تبدل موازين القوى الخارجية، بل على قدرة اللبنانيين أنفسهم على حماية مصالحهم الوطنية وتحصين دولتهم في مواجهة العواصف القادمة. فالدول الصغيرة لا تنجو في الأزمنة المضطربة بالرهانات، بل بحسن القراءة ووحدة القرار وصلابة المؤسسات. :::
هذا النص مكتوب بأسلوب رأي سياسي تحليلي، متماسك وسردي، ويستند إلى الأفكار الواردة في المادة الأصلية دون نقل أي جملة منها حرفياً.