
لبنان ليس ساحة لتصفية الحسابات:
في الشرق الأوسط، لا تُقاس القرارات الكبرى بالشعارات ولا بالرغبات الآنية، بل بحسابات دقيقة تتعلق بموازين القوى ومصالح الدول. ومن هذا المنطلق يبدو أن العديد من العواصم الإقليمية تنظر بحذر شديد إلى أي سيناريو قد يدفع سوريا للانخراط المباشر في الساحة اللبنانية، لأن تداعيات مثل هذه الخطوة لن تقتصر على حدود البلدين، بل قد تمتد إلى كامل المنطقة.
لبنان اليوم يقف على حافة أزمات متراكمة؛ اقتصادية وسياسية وأمنية. وأي محاولة لإدخال لاعب إقليمي جديد إلى معادلاته المعقدة لن تؤدي بالضرورة إلى حل المشكلات القائمة، بل قد تضيف طبقات جديدة من التوتر وتفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً. فالتجارب السابقة أثبتت أن النزاعات حين تتشابك وتتداخل فيها الأطراف المحلية والإقليمية، تصبح أكثر استعصاء على الحل وأكثر كلفة على الجميع.
كما أن الدول التي تعمل منذ سنوات على تخفيف حدة الصراعات في المنطقة وإعادة توجيه الجهود نحو التنمية والاستقرار تدرك أن إشعال جبهة جديدة يعني تبديد ما تحقق من خطوات التهدئة. لذلك فإن منطق الاحتواء ومنع التوسع يبدو أكثر انسجاماً مع المصالح الإقليمية من منطق المغامرات العسكرية أو توسيع دوائر الاشتباك.
الواقع أن المنطقة لم تعد تحتمل حروباً إضافية. فالشعوب المنهكة تبحث عن الأمن وفرص العمل وإعادة الإعمار، لا عن جولات جديدة من الصراع. ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي إبقاء لبنان بعيداً عن الحسابات الإقليمية المتصارعة، والعمل على معالجة أزماته من داخل مؤسساته الوطنية، لا عبر استدعاء مواجهات جديدة قد تعمق الانقسام وتزيد من حجم الخسائر.
إن استقرار لبنان ليس مصلحة لبنانية فحسب، بل مصلحة عربية وإقليمية أيضاً. وكل خطوة تمنع توسع النزاعات وتحاصر أسباب الانفجار تمثل استثماراً في مستقبل أكثر هدوءاً للمنطقة بأسرها...
باختصار:
الفكرة بحد ذاتها منطقية من زاوية المصالح الإقليمية. فالكثير من الدول العربية، وخصوصاً تلك التي تسعى إلى الاستقرار وإعادة ترتيب المنطقة اقتصادياً وسياسياً، لا مصلحة لها في فتح ساحة صراع جديدة في لبنان أو تحويل سورية إلى طرف مباشر في مواجهة لبنانية داخلية. لكن المشكلة أن هذا الطرح يبقى في إطار التحليل السياسي ما لم تدعمه معطيات أو مواقف رسمية واضحة. لذلك يمكن القول إن الفكرة معقولة سياسياً، لكنها تحتاج إلى أدلة أكثر من مجرد التسريبات أو التقديرات الإعلامية