
الاتفاق الأمريكي - الإيراني ليس نهاية الصراع...
بل انتقاله إلى مستوى آخر :
أوافقكم اخي وصديقي سيادة العميد في أن توقيع أي اتفاق( أميركي ـ إيراني )، إن حصل، لا يعني تلقائياً نهاية المخاطر أو بداية مرحلة استقرار دائم...
لكنني أعتقد أن القراءة الاستراتيجية الأعمق تقتضي النظر إلى الاتفاق باعتباره جزءاً من إدارة الصراع لا حلاً نهائياً له...
فالصراعات الكبرى بين الدول لا تنتهي عادة بتوقيع الوثائق، بل بإعادة رسم موازين القوى، والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت واشنطن وطهران ستوقعان اتفاقاً، بل ما إذا كان هذا الاتفاق سيؤسس لتوازن مستقر أم لهدنة مؤقتة بانتظار جولة جديدة من المنافسة. .
من الناحية العسكرية، أثبتت أحداث السنوات الأخيرة أن المنطقة دخلت مرحلة الردع المتبادل فلا الولايات المتحدة استطاعت فرض إرادتها بالكامل على إيران، ولا إيران استطاعت إخراج النفوذ الأميركي من المنطقة، كذلك لم يستطع "الكيان" القضاء على القوى الحليفة لإيران أو إنهاء تأثيرها الإقليمي رغم التفوق العسكري والتكنولوجي الهائل الذي تمتلكه...
لهذا فإن أي اتفاق محتمل سيكون في جوهره اعترافاً متبادلاً بحدود القوة لدى جميع الأطراف، وليس إعلان انتصار لطرف وهزيمة لطرف آخر...
أما في الساحة اللبنانية، فإن التحدي لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار أو خفض التوتر الحدودي، بل بطبيعة البيئة الاستراتيجية التي ستنشأ بعد الاتفاق...
فإذا كان الاتفاق يهدف فعلاً إلى تخفيض مستويات التصعيد في الإقليم، فإن لبنان قد يستفيد من فترة استقرار نسبي تسمح بإعادة بناء مؤسسات الدولة ومعالجة أزماته الاقتصادية والمالية...
أما إذا كان الاتفاق مجرد تفاهم موضعي بين واشنطن وطهران حول ملفات محددة، مع إبقاء ساحات الاشتباك الأخرى مفتوحة، فإن لبنان سيبقى معرضاً للاهتزاز مع كل أزمة إقليمية جديدة...
لذا:
فإني اميل الى ان المسألة الأكثر أهمية تكمن في السلوك الإسرائيلي بعد الاتفاق، فالتجربة التاريخية تشير إلى أن "إسرائيل" كثيراً ما تحاول استثمار التحولات السياسية لتحقيق مكاسب أمنية واستراتيجية إضافية، لذلك فإن معيار نجاح أي اتفاق لن يكون في البيانات الصادرة عن العواصم، بل في الوقائع الميدانية: وقف الاعتداءات، احترام السيادة، معالجة النقاط العالقة، ومنع العودة إلى سياسة فرض الوقائع بالقوة...
وفي المقابل:
فإن أي قراءة واقعية تقتضي الإقرار بأن لبنان نفسه سيكون أمام اختبار داخلي لا يقل أهمية عن الاختبار الخارجي، فالدول لا تحميها التوازنات الإقليمية وحدها، بل أيضاً قدرتها على بناء مؤسسات فاعلة وتوحيد رؤيتها الوطنية للأمن والسيادة والمصلحة العليا...
استراتيجياً:
يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها إدارة التنافس بدلاً من الانفجار الشامل، لكن هذا لا يعني انتهاء الصراع، بل انتقاله من الميدان العسكري المباشر إلى ميادين السياسة والاقتصاد والنفوذ الإقليمي...
لذلك فإن السؤال الأهم ليس:
- هل سيُوقَّع الاتفاق؟..
بل:
- هل سينجح اللاعبون الإقليميون والدوليون في تحويل توازن الردع القائم إلى توازن استقرار دائم؟..
* هذا هو التحدي الحقيقي:
فالاتفاقات يمكن أن تُوقَّع في يوم واحد، أما بناء الاستقرار فيحتاج إلى سنوات من الالتزام المتبادل، وإلى إدراك جماعي بأن كلفة الحروب المقبلة قد أصبحت أعلى من قدرة الجميع على تحملها.