
بين عهدين...
من خدم الدولة ومن خدم السلطة؟.
حين تُقاس الأنظمة بالشعارات، يكثر التضليل. أما حين تُقاس بالسياسات والعلاقات والتحالفات والنتائج، فإن الصورة تصبح أكثر وضوحًا، مهما اختلفت المواقف السياسية...
شهدت سورية خلال العقود الماضية عهدين مختلفين في الرؤية والسلوك السياسي، ولكل منهما أخطاؤه وتحدياته، لكن المقارنة الحقيقية لا تقوم على الخطابات، بل على طبيعة العلاقة مع الداخل، ومع المحيط العربي، ومع المجتمع الدولي.
في العهد السابق، الذي امتد لعقود تحت حكم عائلة الأسد، كانت سورية دولة ذات مؤسسات رسمية، وجيش موحد، وإدارة مركزية، وحضور دبلوماسي معروف. لكن هذه المؤسسات كانت، عمليًا، خاضعة لسلطة الرئاسة والأجهزة الأمنية، وأصبحت الدولة مع مرور الزمن مرادفًا للنظام، حتى غابت الحدود بين الوطن والحاكم. ومع ذلك، بقيت السياسة الخارجية، في معظم مراحلها، تتحرك ضمن مفهوم الدولة والمصلحة الاستراتيجية، وإن شابتها أخطاء جسيمة وتحالفات أثارت انقسامات واسعة...
لكن الصورة تبدلت تدريجيًا، ولا سيما خلال سنوات الحرب، عندما تحولت سورية إلى ساحة نفوذ لقوى خارجية، وأصبح القرار الوطني مرتهنًا بدرجات متفاوتة لحلفاء قدموا الدعم العسكري والسياسي. ومع اتساع هذا النفوذ، تراجعت قدرة الدولة على اتخاذ قرار مستقل، ودفع السوريون ثمنًا باهظًا من سيادتهم واقتصادهم ومستقبلهم.
أما العهد الجديد، فقد جاء في ظروف استثنائية، بعد انهيار النظام السابق، وسط دولة منهكة واقتصاد مدمر وعزلة دولية خانقة. لذلك اتجهت السلطة الجديدة إلى سياسة مختلفة قوامها الانفتاح على العالم العربي، والسعي إلى إعادة بناء العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، ومحاولة إنهاء العقوبات واستعادة الاعتراف السياسي، وهي خطوات يراها مؤيدوها ضرورة لإعادة إعمار البلاد وإعادة دمجها في محيطها...
غير أن هذا الانفتاح يثير في المقابل أسئلة مشروعة حول حدود البراغماتية، والفارق بين المرونة السياسية والتنازل عن الثوابت، إذ إن أي سلطة قد تجد نفسها مضطرة إلى تقديم تنازلات مرحلية لتحقيق أهداف أكبر، لكن نجاح هذه السياسة أو فشلها يبقى مرتبطًا بمدى حفاظها على استقلال القرار الوطني وعدم تحوله إلى مجرد انعكاس لإرادة القوى الخارجية...
وهنا يبرز السؤال الجوهري:
- أي العهدين كان أكثر وطنية؟..
إذا كانت الوطنية تُقاس بالشعارات، فسيجد كل طرف ما يدعم روايته...
أما إذا كانت تُقاس بقدرة الدولة على حماية سيادتها، وصيانة مؤسساتها، وتحقيق مصالح مواطنيها، والحفاظ على استقلال قرارها، فإن الحكم يصبح أكثر تعقيدًا ولا يقبل الإجابات المطلقة.
كما يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:
- أيهما كان أكثر براغماتية؟..
البراغماتية ليست تهمة في ذاتها، فهي جزء من إدارة العلاقات الدولية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى تقلب دائم في المواقف، أو إلى الارتهان لموازين القوى الخارجية، أو إلى تغليب مصلحة السلطة على المصلحة الوطنية. عندها تفقد البراغماتية معناها السياسي، وتصبح مجرد وسيلة للبقاء.
إن التاريخ لا يرحم، ولا يكتب وفق الأمنيات، بل وفق النتائج. والأنظمة تُحاكم في النهاية بما تركته لشعوبها من استقرار أو فوضى، ومن ازدهار أو انهيار، ومن استقلال أو تبعية...
ولهذا:
فإن المقارنة بين العهدين ينبغي أن تبقى مقارنة في السياسات والنتائج، لا في الشعارات والانفعالات، فالوطنية ليست ادعاءً، والبراغماتية ليست فضيلة أو رذيلة بحد ذاتها، وإنما العبرة دائمًا بمدى خدمة الدولة والمجتمع، لا بمدى خدمة الحاكم أو الجماعة أو أي قوة خارجية...
ملاحظة :
- مضمون المقال مطروح للنقاش بلغة راقية ومحترمة وحوار جاد وملتزم
- أرجو مشاركة المقال قدر المستطاع لزيادة مساحة الحوار.