بين "الدولة" و 'الجماعة'... كيف تبدلت نظرة الغرب إلى السلطة في سورية

Salah Kirata • ٣٠‏/٧‏/٢٠٢٦

63107.png


بين "الدولة" و 'الجماعة'... 
كيف تبدلت نظرة الغرب إلى السلطة في سورية؟:

في السياسة، لا توجد صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة، ولعل المشهد السوري يقدم واحدًا من أكثر الأمثلة وضوحًا على هذه الحقيقة، إذ يكشف كيف يمكن للقوى الدولية أن تغيّر خطابها ومواقفها تجاه الفاعلين السياسيين والعسكريين عندما تتغير الحسابات الاستراتيجية، حتى وإن بقيت الوقائع التاريخية على حالها...

لقد حكمت سورية طوال العقود الماضية سلطة كان عمودها الفقري حزب البعث العربي الاشتراكي، واستندت إلى مؤسسات دولة قائمة: جيش نظامي، وأجهزة أمن، وسلك دبلوماسي، وإدارة مدنية، وقضاء، وبرلمان، ونقابات، وجبهة وطنية تقدمية ضمت أحزابًا عدة، بصرف النظر عن حجم تأثيرها الفعلي أو طبيعة الحياة السياسية في ظلها، وقد ارتبط معظم هذا العهد بحكم عائلة الأسد، التي احتكرت السلطة منذ عام 1970 حتى سقوط نظامها...

وخلال تلك المرحلة، لم تكن العلاقات بين دمشق والولايات المتحدة أو إسرائيل أو عدد من الدول الخليجية علاقات ودية في معظم الأحيان، فالعقوبات الأمريكية تعاقبت على سورية بدءا من العام ١٩٧٩، ذلك العام الذي شهد نشاطا إرهابيا لجماعة الإخوان في سورية في ظل تسمية ( الطليعة المقاتلة ) وبلغت ذروتها مع قانون قيصر وغيره من الإجراءات الاقتصادية والسياسية، كما بقيت سورية مدرجة لعقود على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، في حين ظل الصراع مع إسرائيل قائمًا رسميًا، رغم وجود مراحل من الهدوء العسكري، أما مع عدد من الدول العربية، فقد تراوحت العلاقات بين القطيعة والتوتر والانفراج وفقًا للظروف الإقليمية...

وفي المقابل:
فإن القوى التي وصلت إلى السلطة بعد سقوط النظام لم تكن أحزابًا سياسية تقليدية، ولا مؤسسات دولة قائمة، وإنما كانت في أصلها فصائل مسلحة تشكلت خلال سنوات الحرب، وكان أبرزها هيئة تحرير الشام، إلى جانب تشكيلات أخرى شاركت ضمن ماسمي لاحقا غرفة عمليات ( ردع العدوان )، وهنا القاريء أن يفكر جيدا قبل أن يمرر عبارة ( ردع العدوان ) متسائلا من اعتدى على من ؟!.

- وهنا تبرز المفارقة التي يصعب تجاهلها:

فهيئة تحرير الشام كانت حتى وقت قريب مصنفة منظمة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى، كما أن جذورها تعود إلى تنظيم جبهة النصرة الذي أعلن سابقًا بيعته لتنظيم القاعدة قبل أن يعلن فك الارتباط التنظيمي لاحقًا، كما أن زعيم الهيئة، أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبي محمد الجولاني، كان مدرجًا على قوائم المطلوبين الأمريكية، ورصدت الولايات المتحدة مكافأة مالية وصلت إلى عشرة ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض عليه أو تحديد مكانه، قبل أن تُلغى هذه المكافأة لاحقًا مع تغير الواقع السياسي...

- هذه ليست آراء، وإنما وقائع منشورة وموثقة:

لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس:     - من كان إرهابيًا ومن لم يكن؟..
 بل:
-  لماذا تغيرت المعايير؟..

- كيف أصبحت جهة كانت حتى الأمس القريب هدفًا للملاحقة الأمنية والعسكرية، شريكًا في الحوارات والاتصالات واللقاءات السياسية؟..
- وكيف انتقلت شخصيات كانت مطلوبة أمنيًا إلى استقبال الوفود الأجنبية والجلوس مع كبار المسؤولين الدوليين؟..

* فإذا كان التصنيف الأول صحيحًا، فإن تفسير التحول يصبح واجبًا...
* وإذا كان التصنيف الثاني هو الصحيح، فمن حق المراقب أن يتساءل عن الأسس التي بُنيت عليها السياسات السابقة...

إن السياسة الدولية لا تعرف الأحكام الأخلاقية المطلقة بقدر ما تعرف موازين القوى والمصالح، فالدول لا تمنح الشرعية أو تنزعها وفقًا لمعايير ثابتة، بل وفقًا لما تراه محققًا لمصالحها في كل مرحلة، وما شهدته سورية خلال السنوات الأخيرة يؤكد أن التصنيفات الدولية ليست جامدة، وأن القوائم السوداء ليست نهاية المطاف، بل قد تتغير عندما تتغير الحسابات...

وهذا لا يعني بالضرورة تبرئة طرف أو إدانة آخر، ولا الدفاع عن النظام السابق أو تزكية القوى الحالية، وإنما يعني التذكير بحقيقة كثيرًا ما تغيب وسط الضجيج السياسي:
(  أن المجتمع الدولي لم يتعامل مع سورية يومًا بمنطق المبادئ المجردة وحدها، وإنما بمنطق المصالح )...

ولهذا، فإن المقارنة بين العهدين لا ينبغي أن تقتصر على أسماء الحكام أو طبيعة القوى التي تولت السلطة، بل تمتد إلى الطريقة التي تعاملت بها القوى الدولية مع كل مرحلة، ففي الحالة الأولى، كانت هناك دولة بمؤسساتها، لكنها بقيت موضع حصار وضغوط وعقوبات، وفي الحالة الثانية، وصلت إلى الحكم قوى كانت توصف رسميًا بأنها جماعات جهادية مسلحة، ثم بدأت تحظى تدريجيًا باعتراف سياسي وانفتاح دبلوماسي...

* وهنا تكمن المفارقة الكبرى :
وهنا لنا أن نقول أن القضية ليست في تبدل الأشخاص، بل في تبدل المعايير، وليست المشكلة في تغير الوقائع على الأرض، بل في سرعة تغير الخطاب الدولي تجاه الفاعلين أنفسهم...
لذا:
فإنه من حق السوريين، بل من حق كل متابع، أن يسأل:
-  هل كانت المشكلة حقًا في طبيعة النظام السابق وحدها، أم أن المشكلة كانت ـ وما تزال ـ مرتبطة بحسابات المصالح الدولية؟..
 لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون مفتاحًا لفهم جانب كبير من التاريخ السوري المعاصر، بعيدًا عن الشعارات، وبعيدًا عن الاصطفافات، وقريبًا من منطق السياسة كما هي، لا كما يُراد لها أن تبدو...
ملاحظة:
- مضمون المقال مطروح للحوار البناء والنقاش الراقي والمحترم...
- أرجو أن تشاركوا المقال حتى تتسع مساحة الحوار .