
مجلس الشعب في سورية...
بين مقتضيات الشرعية الدستورية ومتطلبات الانضباط التشريعي:
إذا صح أن مجلس الشعب في سورية أقر نظامه الداخلي قبل صدور القانون المنظم لعمله، فإن المسألة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها مجرد إجراء إداري أو ترتيب زمني يمكن تجاوزه، وإنما باعتبارها قضية تتصل بأحد أهم المبادئ التي يقوم عليها القانون الدستوري، وهو مبدأ التدرج التشريعي، الذي يمثل الضمانة الأساسية لسلامة البناء القانوني للدولة...
لقد استقر الفقه الدستوري المقارن على أن كل قاعدة قانونية تستمد مشروعيتها من القاعدة الأعلى منها مرتبة، وأن النص الأدنى لا يجوز أن ينشئ لنفسه سندًا أو يرسم حدود اختصاصه بمعزل عن النص الأعلى الذي يفوضه ويحدد نطاقه. ومن هنا، فإن العلاقة بين الإعلان الدستوري والقانون والنظام الداخلي ليست علاقة شكلية، بل علاقة تأسيس وتفريع؛ فالأول يضع الإطار العام، والثاني ينشئ المؤسسة ويحدد ولايتها واختصاصاتها، أما الثالث فلا يعدو أن يكون أداة لتنظيم كيفية ممارسة تلك الاختصاصات،
وفي الحالة السورية، فإن مجلس الشعب يمثل السلطة التشريعية، وهو الجهة التي يفترض أن تكون الأكثر التزامًا بأصول الصناعة القانونية، لأن احترام الإجراءات ليس عبئًا على المؤسسات، بل هو مصدر شرعيتها وهيبتها. ومن غير المتصور أن تكون المؤسسة المكلفة بإنتاج القوانين أول من يتجاوز التسلسل الذي يحكم إنتاجها...
وقد يذهب البعض إلى اعتبار الأمر مجرد مسألة تنظيمية يمكن تداركها لاحقًا، غير أن هذا التوصيف يغفل أن قواعد الاختصاص في القانون العام من النظام العام، وأن سلامة الإجراءات ليست ترفًا قانونيًا، وإنما هي الضمان الحقيقي لسلامة النتائج. فكلما اختل الأساس، بقي البناء معرضًا للنقاش، مهما بلغت جودة تفاصيله...
ولا يتعلق الأمر بتسجيل موقف سياسي، ولا بتوجيه نقد لأشخاص، وإنما بالدفاع عن فكرة الدولة ذاتها؛ فالدولة لا تُقاس بحسن النوايا، وإنما باحترام القواعد التي ارتضتها لتنظيم سلطاتها، وإذا قبلنا اليوم تجاوز ترتيب القواعد القانونية بحجة السرعة أو الضرورة، فما الذي يمنع غدًا من تجاوز قواعد أخرى بدعوى المصلحة ذاتها؟ إن احترام القانون لا يتجزأ، وإلا فقد القانون وظيفته بوصفه قيدًا على السلطة، وتحول إلى مجرد أداة بيدها،
ولذلك، فإن الرأي الأقرب إلى أصول القانون الدستوري هو إعادة الأمور إلى نصابها، وذلك بالإسراع في إصدار قانون متكامل لمجلس الشعب يحدد تكوينه واختصاصاته وصلاحياته وضمانات عمله، ثم مراجعة النظام الداخلي وإقراره في ضوء ذلك القانون، بحيث يصبح تطبيقًا له لا بديلًا عنه. فبهذه الطريقة وحدها يكتسب التنظيم الداخلي سنده القانوني الصحيح، وتترسخ شرعية المؤسسة التشريعية، ويُبعث برسالة واضحة مفادها أن سورية الجديدة لا تؤسس مؤسساتها على الاستثناء، وإنما على سيادة القانون واحترام التسلسل الدستوري الذي لا تقوم دولة حديثة بدونه.
أرى أن هذه الصيغة أقرب إلى لغة أستاذ في القانون الدستوري، فهي تناقش المبدأ وتفنده قانونيًا، دون انفعال أو تجريح، وتترك للقارئ أن يستنتج قوة الحجة بنفسه.