
بين اختبار الدولة وصعود الاصطفافات: سوريا عند مفترق غير معلن
تبدو الساحة السورية اليوم وكأنها تتحرك تحت طبقات متداخلة من الهدوء الظاهري والتوتر الكامن، حيث لا تُقاس التحولات بما يظهر على السطح فقط، بل بما يتشكل في العمق من اصطفافات فكرية وسياسية واجتماعية قد تعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة.
في مثل هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن تتقاطع مؤشرات متعددة توحي بوجود إعادة تموضع داخل مراكز التأثير، سواء داخل بنية السلطة أو في محيطها الاجتماعي والإعلامي. فحين تتزامن تحركات احتجاجية في أكثر من منطقة، وتتقارب شعاراتها وأدوات تعبيرها، فإن السؤال عن طبيعتها العفوية أو المنظمة يفرض نفسه بقوة، ليس من باب الجزم، بل من باب فهم ديناميات المشهد وكيف تُصنع اللحظات السياسية في البيئات المعقدة.
في المقابل، يظهر خطاب آخر داخل المجال العام، يركز على ضرورة ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق نحو مسارات خارج الأطر القانونية والمؤسساتية، محذرًا من مخاطر تحويل الشارع إلى بديل عن القضاء أو الدولة. هذا التباين في الخطاب لا يمكن المرور عليه باعتباره تفصيلاً عابرًا، بل هو في كثير من الأحيان انعكاس لاختلاف أعمق حول طبيعة المرحلة واتجاهها وحدود الممكن فيها.
الأخطر في مثل هذه اللحظات ليس وجود تباين في الرؤى بحد ذاته، فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع، بل تحوّل هذا التباين إلى اصطفاف حاد قابل للتوسع، بحيث يصبح كل طرف منغلقًا على سرديته الخاصة، ويعيد تفسير الآخر بوصفه تهديدًا وجوديًا لا مجرد خصم سياسي أو فكري. عند هذه النقطة تحديدًا تبدأ السياسة بالتراجع لصالح منطق التعبئة، ويضعف منسوب الثقة الذي تحتاجه الدول الخارجة من أزمات طويلة ومعقدة.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل حقيقة أن أي نقاش حول العدالة والمحاسبة في السياق السوري يظل مشحونًا بثقل التجربة القاسية التي مر بها البلد خلال السنوات الماضية. فالمطالبة بالمحاسبة ليست فكرة نظرية مجردة، بل هي تعبير عن جرح اجتماعي عميق، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذا المطلب إلى مسار مؤسساتي منضبط، يمنع الانزلاق نحو الانتقام أو العدالة الانتقائية أو الفوضى الاجتماعية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في مراحل إعادة التشكل هو لحظة اختلاط مفاهيم العدالة بالغلبة، والقانون بالانفعال، والدولة بردود الفعل. حينها تفقد المؤسسات قدرتها على احتكار الشرعية، ويبدأ الفضاء العام بالانقسام إلى مناطق معنوية متصارعة، كل منها يعتقد أنه يمثل الحقيقة الكاملة.
ومع ذلك، لا يبدو أن المسار حتميًا باتجاه واحد. فالتاريخ السياسي لأي مجتمع يمر دائمًا بلحظات شد وجذب بين تيارات تميل إلى التشدد وتوسيع نطاق الصراع، وأخرى تدفع باتجاه الاستقرار وبناء قواعد مشتركة للتعايش. مستقبل البلاد في مثل هذه الحالات لا يُحسم تلقائيًا لصالح أحد الطرفين، بل يتوقف على قدرة الفاعلين السياسيين والاجتماعيين على إنتاج توازن جديد، يحد من مخاطر الانزلاق دون أن يلغي الحاجة إلى الإصلاح أو المحاسبة.
إن أي تصور لمستقبل سوريا لا يمكن أن يقوم على منطق الإقصاء أو الهيمنة، لأن التجربة الطويلة أظهرت أن إعادة إنتاج الأزمات تتم غالبًا عندما يُختزل الوطن في رؤية واحدة، أو يُحتكر تعريف الوطنية من طرف دون آخر. بالمقابل، فإن بناء دولة مستقرة يتطلب مسارًا طويلًا من إعادة الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمواطن على أساس القانون لا الولاء، وعلى أساس الحقوق لا الانتماءات الضيقة.
في المرحلة المقبلة، سيكون التحدي الأساسي أمام السوريين هو القدرة على منع التحول من خلافات داخل الإطار الوطني إلى صراع على تعريف هذا الإطار نفسه. فالدول لا تنهار فقط بفعل الحروب، بل أحيانًا بفعل تآكل المعنى المشترك بينها.
وبين احتمالات التشدد ومخاطر الفوضى، تظل الفرصة قائمة أمام مسار ثالث أكثر صعوبة لكنه أكثر استدامة: مسار الدولة التي تتعلم من تجربتها، وتعيد بناء أدواتها، وتستوعب مطالب مجتمعها دون أن تفقد قدرتها على التنظيم والضبط.
ذلك المسار ليس مضمونًا، لكنه وحده القادر على إخراج البلاد من دائرة إعادة إنتاج أزماتها، نحو أفق يمكن أن يُبنى عليه مستقبل مختلف، أقل هشاشة وأكثر قدرة على الصمود.