--:--
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يعلن موعد توقيع الاتفاق مع إيران، ويكشف ترتيبات فتح مضيق هرمز ومستقبل الملف النووي الإيراني الرئيس أحمد الشرع: تكاتف السوريين أساس بناء الدولة ونفي قاطع للشائعات حول لبنان تراجع مشروع استثماري في دمشق يسلط الضوء على مخاوف من ابتزاز ووسطاء غير رسميين، ما يثير تساؤلات حول بيئة الاستثمار وغياب الشفافية وتأثير ذلك على ثقة رؤوس الأموال وإعادة الإعمار.

بين “الانشقاق” الفردي وصناعة الرواية... قراءة في شهادات الضباط المنشقين

Salah Kirata • ١٣‏/٦‏/٢٠٢٦

46614.png


بين “الانشقاق” الفردي وصناعة الرواية...
قراءة في شهادات الضباط المنشقين:

لفتني حديث ضابط مخابرات برتبة عقيد، كان يعمل في ما يُعرف بـ“فرع البادية”، خلال لقاء بثّته قناة الجزيرة ضمن سلسلة مقابلات مع ضباط مخابرات منشقين، قال الرجل جملة توقفت عندها طويلًا:

“يستحيل على أي بني آدم أن يقابل علي دوبا، أما أنا فقد قابلته أكثر من مرة.”

هذه العبارة، في ظاهرها، تبدو كإشارة إلى استثناء شخصي أو قرب وظيفي من أحد أبرز رؤساء شعبة المخابرات العسكرية في سورية آنذاك، لكن ما أثار انتباهي ليس مضمونها فقط، بل ما تكشفه من زاوية أوسع وهي:
 طبيعة العلاقة بين بعض من يُقدَّمون اليوم بوصفهم “منشقين”، وبين المنظومة التي كانوا جزءًا منها لسنوات طويلة، إضافة لما هو شخصي في الحديث ويتم عن حالة اضطراب معنوي أو حالة نفسية مرتبكة ومتأزمة وكل هذا يدلل على ( أنا ) متضخمة...

العقيد اعلاه ليس مثالًا منفردًا، فقد سبق أن طلب هذا الضابط—عبر صديق مشترك—دعمي أو تدخلي لترشيحه لدورة ركن لدى رئيس شعبة المخابرات العسكرية الذي خلف العماد علي دوبا، وهذه التفاصيل الصغيرة، حين تُجمع، ترسم صورة مركبة لا يمكن اختزالها في خطاب أبيض وأسود عن “انشقاق” أو “ثورة ضباط” كما يُروَّج أحيانًا...

ما أود قوله هنا ليس إنكارًا لتحولات الأفراد، ولا التقليل من دوافعهم أو ظروفهم، لكن من المهم التوقف عند المصطلح ذاته: “الانشقاق”.
خلال ما يقارب العقد والنصف من عمر الأزمة، لم يحدث—بحسب الوقائع الميدانية—انشقاق لوحدات عسكرية كاملة، لا من مستوى فصيلة ولا سرية ولا كتيبة ولا لواء ولا فرقة. ما جرى في معظمه كان انتقالات فردية، أو قرارات شخصية، تتداخل فيها الظروف الذاتية مع الحسابات السياسية والبيئة الأمنية العامة...

وهنا يصبح من الضروري التمييز بين حالتين مختلفتين:

- انشقاق بنية عسكرية منظمة ( وهو ما يترك أثرًا ميدانيًا حاسمًا )...
- وبين حالات فردية متفرقة، مهما بلغ عددها، لا ترقى إلى توصيف “انهيار بنيوي” داخل المؤسسة العسكرية...

كما لا يمكن تجاهل حقيقة أن تشكيلات الجيش عند بدء الأحداث كانت تضم تنوعًا طائفيًا داخل بنيتها القيادية، لكن لا يمكن إنكار أو تجاوز أنه من اصل ١٦ فرقة كانت تشكل الجسم القتالي أو التنفيذي للجيش العربي السوري كان ١٣ منهم من طائفة بعينها، ضمن منظومة حكم وأمن معقدة تشكلت عبر عقود...
 لكن السؤال الذي يظل مطروحًا بموضوعية هو:
-  كم من الضباط السنة الذين شغلوا مواقع مفصلية وحساسة فعلًا، ثم اختاروا الانشقاق؟..
-  وما دلالة ذلك في قراءة بنية القرار داخل المؤسسة العسكرية آنذاك؟..

المشكلة لا اراها في وجود الانشقاق من عدمه، بل في طريقة تحويله إلى توصيف شامل يوحي وكأننا أمام تفكك جماعي أو تمرد مؤسساتي، بينما الواقع—في كثير من تفاصيله—كان أقرب إلى تفتت فردي محكوم بظروف معقدة، لا إلى انهيار بنية عسكرية متماسكة على النحو الذي يُصوَّر أحيانًا...

إن إعادة تدقيق المصطلحات هنا ليست مسألة لغوية، بل مسألة فهم للتاريخ نفسه: 
فليس كل خروج من المؤسسة “انشقاقًا”، وليس كل انشقاق “ثورة”، وليس كل شاهد على النظام السابق قادرًا بالضرورة على تقديم سردية مكتملة عنه...
وفي النهاية:
 تبقى القراءة الدقيقة للتفاصيل هي ما يفصل بين الرواية والانطباع، وبين التاريخ والتحليل.