
بين عزيمة الداخل وصمت الجبهات… سؤال لم يُجب عنه بعد ؟!:
أكثر ما آلمني، وما زال يثقل الذاكرة منذ آذار 2011، هو لحظة انزلاق سورية إلى ذلك المسار الدموي الذي تداخل فيه الأمني بالسياسي، والاجتماعي بالوجودي، حتى بدا وكأن البلاد تُدفع دفعًا نحو تفككٍ داخلي لا يشبه سوى صور الانفلات الأشد قسوة في التاريخ الحديث، مشاهد القتل والسحل والتوثيق العلني للجرائم، وكأن الفعل فقد أي رابط بالردع أو الدولة أو حتى الخوف من المصير، تركت جرحًا لا يندمل، لأنها لم تكن مجرد أحداث، بل تحوّلًا في طبيعة الإنسان داخل الصراع...
وما زاد الألم عمقًا أن طرفي النزاع، اللذين دخلا سريعًا في دوامة الاستقطاب الحاد، وقعا معًا في فخّ صراعٍ خرج عن سياقه السياسي إلى مواجهة وجودية، حيث تحوّل الاختلاف إلى خلاف، ثم إلى قطيعة كاملة، وأصبح كل طرف يرى نفسه وحده ممثل "الحق المطلق"، بينما يُختزل الآخر بين خائن أو تكفيري أو عميل، وفق موقعه، فالدولة رأت في كل معارض تهديدًا وجوديًا، والمعارضة رأت في كل من بقي ضمن مؤسسات الدولة امتدادًا للظلم أو الشراكة فيه، حتى ولو كان مجرد موظف أو منفذ لواجب وظيفي...
في هذا المناخ، تسرّبت إلى الواقع مفردات الانقسام الحاد، وتحوّلت البلاد إلى ساحة تتنازعها التوصيفات القصوى، بينما كان الداخل يُستنزف خطوة بعد أخرى، وهنا يبرز السؤال الذي ظلّ يتكرر في ذهني بلا إجابة:
أين كانت كل تلك العزيمة، وذلك الإصرار، وذلك الثبات الذي ظهر داخل المجتمع السوري بكل تناقضاته، لاسيما عندما تعلق الأمر بالصراع مع إسرائيل منذ 1967 ولايزال حتى اليوم، حيث تمددت إسرائيل في الجنوب السوري بعد الصعود والسقوط المريبان لتثبت بالقوى مع التحدي والابتزاز والاستفزاز العلني واقعًا من الاحتلال الجزئي لمساحات تُقدَّر بنحو 600 كم²؟
كيف يمكن أن تكون هذه الطاقة الكامنة في الصمود، وهذه القدرة على التحدي والتضحية، قد ظهرت بأقصى تجلياتها داخل الصراع الداخلي، بينما لم تُترجم بنفس المستوى، أو على الأقل بصورة متقاربة، في مواجهة العدو الخارجي الذي ظلّ حاضرًا في الوعي والذاكرة والخطاب لعقود طويلة؟
ثم أعود إلى فرضية قديمة راودتني في بداية الأحداث، دفعتني وقتها لأن ارسل رسالة عبر وسيط لوزير الدفاع وقتها الراحل العماد علي حبيب، في رسالة لم تكن سوى محاولة للتفكير بصوتٍ مرتفع:
اعتمدت فيها على معرفة سطحية كانت بيننا لما كان لا زال برتبة عميد وقائدا لفرقة ميكانيكية، قلت فيها ما يعني أن نظرية "الشرق الأوسط الجديد" تدق ابواب دمشق ونحن امام "إعادة تشكيل المنطقة" لا يجب أن يكون مدخلًا لتفكيك الداخل، بل ربما كان الأجدر توجيه كامل الجهد، بكل ما فيه من تناقضات السوريين، نحو الخارج الذي يُفترض أنه الخصم المباشر، بدل أن يتحول الداخل إلى ساحة استنزاف شاملة، واقترحت التفكير بتوجيه كل الجهد باتجاه العدو وربما يكون هذا ردا محبطا وخطوة استباقية لما يراد الوصول إليه بسورية...
عموماً:
لو افترضنا، جدلًا، أن مسار 2011 لم ينحرف إلى الداخل، بل تحوّل إلى حالة مواجهة مفتوحة مع العدو الخارجي:
- هل كنا سنرى نفس تجليات "البطولة التي ظهرت داخل الجبهات المتقابلة في الداخل؟..
- هل كانت ستتكرر نماذج من الانضباط والصلابة التي نُسبت إلى بعض التشكيلات العسكرية والأمنية؟..
- وهل كان يمكن أن يظهر "الصبية" الذين وثّقوا أفعال العنف العشوائي بتلك الجرأة نفسها في مواجهة عدو نظامي خارجي يمتلك أدواته وجبهاته الواضحة؟..
- أم أن طبيعة الصراع حين يُدار داخليًا تختلف جذريًا عن أي مواجهة خارجية، فتُنتج أقصى درجات العنف، وأدنى درجات الضبط، وأشد حالات الانفلات، حيث تختفي الحدود بين الفعل والتمثيل، وبين القوة والفوضى، وبين السياسة والانهيار؟..
في النهاية:
يبقى السؤال معلقًا، لا بوصفه إدانة لطرف دون آخر، بل بوصفه محاولة لفهم مفارقة قاسية: كيف يمكن لأمة أن تمتلك هذا القدر من الصلابة حين تتجه نحو الداخل، بينما تتعثر في تحويله إلى قوة موحدة حين يكون الاتجاه إلى الخارج؟
سؤال لا يزال مفتوحًا:
وربما لن يُجاب عليه بسهولة، لكنه يظلّ حاضرًا كجرحٍ في الذاكرة، وكعلامة استفهام في تاريخٍ لم يكتمل بعد.