
بين فرصة التسوية ومخاطر الانفجار: ماذا لو فشلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية؟
أتابع مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران باهتمام بالغ، ليس فقط بسبب أهمية الملف النووي، بل لأنني أعتقد أن المنطقة تقف أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم توازناتها لسنوات طويلة قادمة.
في تقديري، لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان الطرفان قادرين على الوصول إلى تفاهم أولي، بل ما إذا كانا قادرين على ترجمة هذا التفاهم إلى واقع عملي ومستدام. فالمؤشرات المتوافرة توحي بأن مذكرة تفاهم تم التوافق على خطوطها العريضة باتت أقرب من أي وقت مضى، وأن الإرادة السياسية اللازمة لتجنب المواجهة المباشرة لا تزال موجودة لدى الطرفين. لكن التاريخ يعلمنا أن الوصول إلى الاتفاق أسهل كثيراً من تنفيذه.
ما يلفت انتباهي هو أن المرحلة الأخطر لن تبدأ عند توقيع مذكرة التفاهم، بل بعد ذلك مباشرة. فالفترة التي تلي التوقيع، والتي قد تمتد لنحو ستين يوماً أو أكثر، ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الطرفين على الوفاء بالتزاماتهما المتبادلة وبناء الحد الأدنى من الثقة الضرورية لاستمرار المسار السياسي.
من الناحية الاستراتيجية، تبدو هذه المهلة الزمنية بمثابة ممر ضيق بين احتمالين متناقضين. الاحتمال الأول هو نجاح التنفيذ التدريجي للبنود المتفق عليها، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تفاهمات أوسع ويؤسس لمرحلة أقل توتراً في المنطقة. أما الاحتمال الثاني، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في تعثر التنفيذ أو تبادل الاتهامات بعدم الالتزام، ما قد يؤدي إلى انهيار المسار التفاوضي بأكمله.
هنا تحديداً تكمن مخاوفي. ففشل المفاوضات بعد الوصول إلى تفاهم أولي لا يشبه فشل المفاوضات قبل التوصل إلى أي اتفاق. في الحالة الأولى تكون التوقعات قد ارتفعت، وتكون الأطراف قد استثمرت جزءاً من رصيدها السياسي في إنجاح العملية. وعندما ينهار المسار في هذه المرحلة، فإن الإحباط المتبادل غالباً ما يتحول إلى تشدد أكبر، وتصبح العودة إلى طاولة المفاوضات أكثر صعوبة.
إن الخشية الحقيقية ليست من التصعيد الإعلامي أو من تبادل التهديدات، فهذه أمور اعتادت عليها المنطقة منذ عقود، بل من أن يؤدي انهيار مرحلة التنفيذ إلى اقتناع بعض مراكز القرار بأن البدائل السياسية استنفدت وأن أدوات الضغط التقليدية لم تعد كافية. عندها فقط تبدأ الحسابات العسكرية بالدخول إلى دائرة النقاش الجدي.
ولا أعتقد أن أي حرب محتملة ستكون محدودة أو قابلة للاحتواء بسهولة. فالتشابكات الإقليمية الحالية تختلف جذرياً عما كانت عليه في أزمات سابقة. أي مواجهة واسعة لن تبقى محصورة بين دولتين، بل ستنعكس على أمن الطاقة العالمي، وخطوط الملاحة الدولية، والتوازنات الأمنية في الشرق الأوسط بأسره.
لهذا السبب أرى أن الأسابيع التي ستلي توقيع مذكرة التفاهم، إن تم توقيعها بالفعل، ستكون أكثر حساسية من مرحلة التفاوض نفسها. ففي تلك الفترة سيتحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية تاريخية، أم أنها تقترب من لحظة انهيار قد تفتح الباب أمام واحدة من أخطر المواجهات العسكرية في العقود الأخيرة.
من هنا أعتقد أن نجاح الاتفاق لا يقاس بحبر التوقيع، بل بقدرة الطرفين على عبور مرحلة التنفيذ دون انتكاسات كبرى. أما إذا فشلت هذه المرحلة، فإن الحديث لن يعود عن تفاصيل فنية أو إجراءات متبادلة، بل عن مستقبل الأمن الإقليمي واحتمال الانزلاق إلى حرب شاملة لن يخرج منها أحد منتصراً بالمعنى الحقيقي للكلمة.