بين وهم الحرب الأهلية في لبنان وحدود الاشتباك الإقليمي:
حزب الله، إيران، و”هدنة” المنطقة التي تعيش على حافة النار دون أن تسقط فيها...

بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
لا تبدو المنطقة اليوم وكأنها تقترب من لحظة انفجار كبير بقدر ما تبدو وكأنها عالقة داخل حالة طويلة من “الاحتراق المضبوط”. في لبنان تحديدًا، تتكاثر الأسئلة حول احتمال انزلاق البلاد إلى حرب أهلية جديدة، خصوصًا مع تصاعد التوتر الحدودي، ورفض حزب الله أي صيغة تسوية تُفهم ضمن منطق "التطبيع المفروض"، أو "نزع السلاح تحت الضغط"، وما يرافق ذلك من خطاب سياسي وإعلامي عالي السخونة...
لكن حين تُفكك المشهد بعيدًا عن الانفعالات، يظهر أن ما يجري ليس اقترابًا من نموذج 1975، بل ترسيخ لنموذج مختلف تمامًا: دولة منهكة، توازن ردع داخلي غير مكتمل، وصراع إقليمي يُدار بالحد الأدنى من الاشتباك وبالحد الأعلى من الرسائل...
لبنان ليس على عتبة حرب أهلية شاملة بالمعنى الكلاسيكي، كون الحرب الأهلية تحتاج إلى تفكك شامل في بنية الدولة، وانقسام داخل الجيش، وانتقال القتال من الجغرافيا الحدودية إلى الجغرافيا الداخلية، هذه الشروط لم تتوفر حتى الآن، فما هو قائم هو وضع أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا: احتكاك دائم على الحدود الجنوبية، هشاشة اقتصادية عميقة، وانقسام سياسي مزمن، لكن ضمن "سقف منع الانفجار الكامل" الذي تفرضه حسابات الداخل والخارج معًا...
في هذا السياق، يصبح رفض حزب الله لأي تسوية تُقرأ كإملاء خارجي ليس حدثًا مفاجئًا، بل جزءًا من بنية موقف ثابت يقوم على فكرة مركزية:
لأن السلاح ليس بندًا تفاوضيًا داخليًا فقط، بل عنصر في معادلة ردع إقليمية مرتبطة مباشرة بالصراع مع إسرائيل وبالتموضع الإيراني في شرق المتوسط، لذلك، فإن أي مقاربة تُطرح بمعزل عن هذا الإدراك الاستراتيجي تُنتج اصطدامًا سياسيًا حادًا، لكنها لا تُنتج تلقائيًا حربًا داخلية شاملة...
المفارقة هنا أن ارتفاع منسوب الخطاب السياسي لا يعني ارتفاع احتمالات الحرب الشاملة، فالحروب في هذه المنطقة لم تعد تُولد من التصعيد الخطابي وحده، بل من انهيار آليات الضبط غير المعلنة بين القوى الكبرى والإقليمية، وهذا ما يفسر استمرار ما يمكن تسميته بـ"الهدنة الهشة" بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل: ليست سلامًا، وليست حربًا، بل إدارة دقيقة للاشتباك، حيث يُسمح بالتصعيد المحدود، ويُمنع الانفجار الكبير...
لكن هذه الهدنة ليست صلبة، لأنها أشبه بطبقة رقيقة من الجليد فوق مياه عميقة مضطربة، ويمكن لأي حدث كبير—في لبنان أو غزة أو سورية—أن يضغط على هذه الطبقة، لكن كسرها بالكامل يتطلب قرارًا استراتيجيًا بالذهاب إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، وهو خيار لا يبدو أن أي طرف رئيسي مستعد لتحمل كلفته حتى الآن...
فالولايات المتحدة، سواء في ظل إدارة ترامب أو غيرها، تتحرك ضمن منطق مزدوج:
- دعم واضح لحلفائها الإقليميين، خصوصًا إسرائيل، مقابل تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة لا يمكن التحكم بمساراتها، لذلك تتراوح الخيارات بين الضغط السياسي، وإدارة الصراع عبر الوكلاء...
- وتغذية الردع دون الوصول إلى نقطة الحرب الشاملة. هذا ليس عجزًا بقدر ما هو اختيار استراتيجي قائم على إدراك حدود القوة...
في المقابل:
إيران تنظر إلى شبكة حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله، باعتبارها جزءًا من بنيتها الأمنية العميقة، لا مجرد أدوات نفوذ سياسي، التخلي عن هذه الشبكة يعني، من منظورها، إعادة تعريف موقعها الاستراتيجي في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، لذلك فإن فكرة "التفكيك التدريجي" لهذه المنظومة تصطدم بجدار صلب من الحسابات الأمنية والوجودية في آن واحد...
حزب الله، من جهته، يتحرك ضمن معادلة شديدة الحساسية:
الحفاظ على الردع دون الانجرار إلى حرب داخلية، وإبقاء جبهة الجنوب تحت سقف "الاشتباك المسيطر عليه" دون السماح بانفلات شامل. هذه المعادلة دقيقة، لكنها ليست جديدة. الجديد فقط هو ارتفاع درجة المخاطر وتراجع قدرة الدولة اللبنانية على لعب دور الوسيط أو الموازن...
هكذا يصبح المشهد كله قائمًا على مفارقة مركزية:
الجميع يرفع سقف الخطاب، لكن الجميع تقريبًا يخفض سقف الذهاب إلى الحرب الشاملة، لذلك لا تبدو المنطقة متجهة نحو انفجار كبير بقدر ما تبدو عالقة في نمط جديد من الصراعات: حروب محدودة، هدَن غير معلنة، وردع متبادل يعيش على حافة الخطأ الحسابي...
وفي هذا الإطار، فإن السؤال ليس:
- هل تقترب الحرب الأهلية في لبنان؟..
بل:
إلى أي مدى يمكن لهذا “التوازن غير المستقر” أن يستمر قبل أن ينهار تحت ضغط حادث غير محسوب؟..
التاريخ في هذه المنطقة لا يُحسم بالإعلانات السياسية، بل بالأخطاء الصغيرة التي تتحول فجأة إلى منعطفات كبرى.