--:--
الأمم المتحدة ترحب بتعاون سوريا مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وسط تقدم في ملفات التفتيش والإفصاح #عاجل | التلفزيون الأيرلندي: الحكومة الأيرلندية تمنع بن غفير وسموتريتش من دخول البلاد وتصدر قرارا بحظر السفر بحقهما زيلينسكي يوجه رسالة إلى بوتين يقترح فيها وقفاً شاملاً لإطلاق النار ولقاءً مباشراً بينهما، مؤكداً استعداد أوكرانيا للسلام مع استمرار القتال إذا رفضت روسيا، مع طرح دور أمريكي في المراقبة. الاتحاد الأورو وول ستريت جورنال: روسيا تعيد تنظيم وجودها العسكري في سوريا عبر إمداد قواعد حميميم وطرطوس، في مؤشر على تثبيت حضورها الاستراتيجي رغم تغير المشهد السياسي في دمشق وتقليص الوجود العلني. بوتين يتبنى مقترحات ترمب للسلام وزيلينسكي يدعو إلى لقاء مباشر.. مؤشرات جديدة على اقتراب تسوية الحرب الأوكرانية

نكسة حزيران 1967: الجرح الذي غيّر وجه الأمة العربية

Salah Kirata • ٥‏/٦‏/٢٠٢٦

نكسة حزيران 1967: الجرح الذي غيّر وجه الأمة العربية
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية 
43346.png

في الخامس من حزيران عام 1967، استيقظ العرب على واحدة من أقسى الهزائم في تاريخهم الحديث. لم تكن الحرب التي استمرت ستة أيام مجرد معركة عسكرية خسر فيها العرب أرضاً أو مواقع استراتيجية، بل كانت زلزالاً سياسياً ونفسياً وحضارياً هزّ وجدان الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، وترك آثاراً ما زالت حاضرة في الذاكرة العربية حتى يومنا هذا.

لقد تمكنت إسرائيل خلال أيام معدودة من إلحاق هزيمة بثلاثة جيوش عربية رئيسية هي الجيش المصري والجيش السوري والجيش الأردني، وأن توسع مساحة الأراضي التي تسيطر عليها إلى أكثر من ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب. فاحتلت شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، إضافة إلى هضبة الجولان السورية، لتجد الأمة العربية نفسها أمام واقع جديد فرضته قوة السلاح وسوء الحسابات السياسية والعسكرية.

كيف وصل العرب إلى تلك الهزيمة؟

عندما ننظر اليوم إلى أسباب النكسة، ندرك أن المشكلة لم تكن في شجاعة الجندي العربي، فقد أثبتت الحروب اللاحقة أن المقاتل العربي قادر على التضحية والقتال بشجاعة نادرة. لكن المشكلة كانت في بنية القرار السياسي والعسكري العربي آنذاك.

دخل العرب الحرب وسط حالة من الخطابات الحماسية والشعارات الكبيرة، بينما كانت الجيوش تعاني من مشكلات خطيرة في القيادة والسيطرة والتنسيق المشترك. كانت مراكز اتخاذ القرار تعيش في كثير من الأحيان حالة من الثقة المفرطة، في مقابل استعداد إسرائيلي دقيق قائم على التخطيط والاستخبارات والتفوق الجوي.

لقد كشفت النكسة فجوة هائلة بين الخطاب السياسي والقدرة العسكرية الفعلية. فالجيوش العربية كانت تمتلك أعداداً كبيرة من الجنود والمعدات، لكنها لم تكن تمتلك منظومة قيادة موحدة أو رؤية استراتيجية متكاملة تمكنها من مواجهة عدو يستعد للحرب منذ سنوات.

آثار النكسة على الأمن القومي العربي

لم تقتصر آثار هزيمة حزيران على خسارة الأرض فقط، بل امتدت إلى عمق مفهوم الأمن القومي العربي نفسه.

فقد سقطت القدس الشرقية تحت الاحتلال، واحتلت الجولان وسيناء، وأصبحت إسرائيل على تماس مباشر مع مراكز الثقل العربي. كما أدت الهزيمة إلى اهتزاز الثقة بالأنظمة السياسية العربية وبمشاريع الوحدة العربية التي كانت سائدة في تلك المرحلة.

والأخطر من ذلك أن النكسة منحت إسرائيل شعوراً بالتفوق الاستراتيجي المطلق، ورسخت لدى كثير من القوى الدولية قناعة بأن التفوق العسكري الإسرائيلي حقيقة يصعب كسرها. كما فتحت الباب أمام تحولات سياسية وعسكرية عميقة في المنطقة ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم.

لقد كان الخامس من حزيران لحظة مراجعة قاسية للعرب جميعاً، حيث أدركت الأمة أن الشعارات وحدها لا تحرر أرضاً، وأن بناء القوة يحتاج إلى العلم والتنظيم والتخطيط والانضباط والمؤسسات الفاعلة.

من النكسة إلى إعادة البناء

لكن التاريخ لا يتوقف عند الهزائم.

ففي أعقاب حرب 1967 بدأت مصر وسورية عملية إعادة بناء واسعة لجيوشهما. وأعيد تنظيم القوات المسلحة وتطوير العقائد القتالية وأنظمة التدريب والتسليح. وتحولت سنوات ما بعد النكسة إلى مرحلة عمل شاق وصامت هدفه إزالة آثار العدوان واستعادة الكرامة الوطنية.

وفي مصر اندلعت حرب الاستنزاف التي استمرت سنوات وأرهقت إسرائيل وأعادت الثقة للمقاتل المصري. وفي سورية جرت عملية إعادة بناء واسعة للجيش السوري استعداداً لجولة جديدة من الصراع.

هل أعادت حرب تشرين 1973 الكرامة للعرب؟

عندما اندلعت حرب السادس من تشرين الأول عام 1973، كان العرب أمام اختبار تاريخي جديد.

نجحت القوات المصرية في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف الذي كان يوصف بأنه أقوى خط دفاعي في العالم. وفي الوقت نفسه شنت القوات السورية هجوماً واسعاً على جبهة الجولان واستطاعت تحقيق تقدم مهم في الأيام الأولى للحرب.

لأول مرة منذ نكسة 1967 شعر الإسرائيليون بأن دولتهم ليست بمنأى عن الخطر، وأن الجيوش العربية قادرة على المبادرة والهجوم وتحقيق الإنجازات الميدانية.

صحيح أن الحرب انتهت دون تحقيق جميع الأهداف العربية، وصحيح أن مسار المعارك شهد تعقيدات وتطورات عسكرية وسياسية معروفة، إلا أن الإنجاز الأهم كان كسر أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر".

لقد استعادت الأمة العربية جزءاً مهماً من ثقتها بنفسها، وأثبتت أن هزيمة 1967 لم تكن قدراً أبدياً.

هل هُدد وجود إسرائيل فعلاً في تشرين؟

ما زال المؤرخون والعسكريون يناقشون هذا السؤال حتى اليوم.

لكن ما لا خلاف عليه أن إسرائيل واجهت خلال الأيام الأولى من الحرب أخطر تحدٍ عسكري منذ تأسيسها عام 1948. فقد تعرضت قواتها لخسائر كبيرة على الجبهتين المصرية والسورية، واضطرت إلى تعبئة احتياطاتها بشكل عاجل، كما دخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على خط الأزمة خشية اتساع الحرب.

كما لعبت القوات العراقية دوراً مهماً في الجبهة السورية، حيث ساهمت الوحدات المدرعة العراقية في دعم الدفاعات السورية ووقف التقدم الإسرائيلي في مراحل حساسة من المعركة.

لقد أثبتت حرب تشرين أن العرب عندما يمتلكون الإرادة والتخطيط والتنسيق يمكنهم فرض معادلات جديدة على أرض المعركة، وأن التفوق الإسرائيلي ليس قدراً لا يمكن مواجهته.

ذكرى أليمة ودروس لا تموت

تبقى نكسة حزيران واحدة من أكثر الذكريات إيلاماً في التاريخ العربي الحديث. لكنها في الوقت نفسه تذكير دائم بأن الأمم لا تنهض إلا عندما تواجه أخطاءها بشجاعة.

فالهزيمة لم تكن نهاية التاريخ، كما أن انتصارات تشرين لم تكن نهاية الصراع. وبين النكسة والعبور كتبت الأمة العربية درساً عميقاً مفاده أن الإرادة وحدها لا تكفي، وأن القوة تحتاج إلى العلم والتنظيم والتخطيط والعمل الدؤوب.

بعد عقود طويلة ما زالت صور القدس والجولان وسيناء وأبطال العبور ومقاتلي الجبهات العربية حاضرة في الذاكرة الجماعية للعرب. وما زال حزيران يذكرنا بثمن الأخطاء، فيما يذكرنا تشرين بأن الشعوب القادرة على النهوض تستطيع أن تحول الهزيمة إلى بداية جديدة.

وهكذا تبقى نكسة حزيران جرحاً مفتوحاً في الوجدان العربي، وتبقى حرب تشرين شاهداً على أن الأمم قد تتعثر، لكنها لا تموت ما دامت قادرة على التعلم واستعادة إرادتها وصناعة مستقبلها بيديها.