حين تصبح الجغرافيا سلاحًا... كيف تغيّر إيران قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة

Salah Kirata • ٣٠‏/٧‏/٢٠٢٦

62948.png


حين تصبح الجغرافيا سلاحًا...
 كيف تغيّر إيران قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة؟.

د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

في الصراعات الكبرى، لا تُقاس أهمية الحدث بحجم الانفجار الذي يحدثه، بل بالتحول الذي يفرضه في طريقة التفكير الاستراتيجي، فالتاريخ العسكري يعلمنا أن الحروب لا تتغير عندما يُطلق صاروخ جديد، وإنما عندما ينجح أحد الأطراف في تغيير قواعد اللعبة نفسها، فيجبر خصمه على القتال وفق معادلة لم يخترها...

من هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى استهداف المواقع الأميركية في الأردن باعتباره مجرد حلقة جديدة في مسلسل الردود المتبادلة، ولا بوصفه رسالة انتقامية عابرة، إنه، في جوهره، إعلان عن انتقال المواجهة من استهداف القوة العسكرية الأميركية إلى استهداف البيئة التي تمنح تلك القوة قدرتها على الحركة والاستمرار...

لقد اعتادت الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب الباردة، أن تدير نفوذها العالمي عبر شبكة معقدة من القواعد العسكرية والتحالفات اللوجستية والممرات الجوية والبحرية. ولم تكن هذه الشبكة مجرد بنية دعم، بل كانت مصدر التفوق الأميركي نفسه؛ فهي التي تختصر الزمن، وتؤمن سرعة الانتشار، وتمنح واشنطن القدرة على خوض أكثر من أزمة في وقت واحد...

غير أن التطور المتسارع في تقنيات الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة غيّر مفهوم المسافة، وأعاد تعريف مفهوم "العمق الآمن"، فما كان يُعدّ قبل سنوات قاعدة خلفية بعيدة عن الخطر، أصبح اليوم جزءًا من مسرح العمليات، وما كان يمثل نقطة انطلاق للقوة، بات هدفًا مشروعًا في معادلات الردع الجديدة...

وهنا تحديدًا تتبدى أهمية الأردن، لا بوصفه طرفًا في الصراع، بل بوصفه عقدة لوجستية في منظومة الانتشار الأميركي، فحين تصبح القاعدة العسكرية هدفًا، فإن الرسالة لا تُوجَّه إلى الدولة المضيفة بقدر ما تُوجَّه إلى العقل العسكري الذي بنى استراتيجيته على افتراض أن إعادة توزيع القوات كفيلة بتقليل المخاطر...

لكن الخصم يبدو وكأنه يقول:

" لن ألاحق طائراتكم في السماء، بل سألاحق الخرائط التي تنطلق منها تلك الطائرات".

*وهذا هو التحول الأخطر :
لأن إيران، سواء نجحت عملياتها عسكريًا أم لم تنجح، تبدو وكأنها تراهن على معادلة مختلفة تمامًا عن معادلة الحسم التقليدي، فهي لا تبحث عن نصر عسكري شامل على الولايات المتحدة، وهي تدرك أن ميزان القوة لا يسمح بذلك، لكنها تسعى إلى ما هو أكثر واقعية وأكثر تأثيرًا على المدى البعيد؛ تحويل الوجود الأميركي إلى مشروع دائم الاستنزاف، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا...

* إنها معركة الإرهاق الاستراتيجي:

فالطائرة التي تضطر إلى الإقلاع من قاعدة أبعد تحتاج إلى وقود أكثر، وزمن أطول، وحماية إضافية، وتنسيق أعقد، والقواعد التي تصبح مهددة تحتاج إلى بطاريات دفاع جوي إضافية، وإلى قوات حماية أكبر، وإلى إنفاق متزايد على الأمن والبنية التحتية. أما الدول المضيفة، فتجد نفسها أمام معادلة دقيقة؛ كيف تحافظ على شراكاتها الأمنية دون أن تتحول إلى ساحات مواجهة مفتوحة؟..

بهذا المعنى، تتحول كل ضربة، حتى لو أُحبِطت بالكامل، إلى عبء جديد يُضاف إلى الحسابات الأميركية، كون المقياس الحقيقي للنجاح هنا ليس عدد الصواريخ التي أصابت أهدافها، وإنما عدد الخطط التي اضطر الخصم إلى تعديلها، وعدد الموارد التي أُجبر على إعادة توزيعها، وحجم القلق الذي تسلل إلى منظومة الردع التي طالما بدت ثابتة...

ولعل ما نشهده اليوم هو بداية انتقال الصراع من حرب الضربات إلى حرب الهندسة الاستراتيجية؛ حيث يصبح الهدف إعادة تشكيل الخريطة العسكرية للمنطقة، لا عبر احتلال الأرض، بل عبر تغيير قيمة الأرض نفسها في الحسابات العسكرية...

إن أخطر ما في هذا التحول أنه لا يفرض نفسه على الولايات المتحدة وحدها، بل على جميع حلفائها أيضًا، فكل دولة تستضيف منشأة عسكرية، أو توفر ممرًا جويًا، أو تؤدي دورًا لوجستيًا، ستصبح جزءًا من معادلة الردع، سواء أرادت ذلك أم لم ترد، وهكذا يتوسع ميدان الصراع أفقيًا دون إعلان حرب شاملة، وتتحول الجغرافيا كلها إلى لوحة شطرنج تتحرك فوقها الرسائل العسكرية والسياسية في آن واحد...

ومع كل جولة جديدة، يزداد المشهد تعقيدًا، فالولايات المتحدة لا تستطيع الانسحاب بسهولة لأن ذلك سيُقرأ بوصفه تراجعًا استراتيجيًا، وإيران لا تستطيع التراجع لأنها تعتبر أن كسر الضغوط يتطلب استمرار رفع الكلفة. وبين هذين المنطقين، تدخل المنطقة في دورة تصعيد قد لا يكون هدف أي طرف فيها تحقيق نصر سريع، بقدر ما يكون الهدف منع الخصم من الشعور بالأمان...

وهنا يكمن الفارق بين حروب الأمس وحروب اليوم، ففي الماضي كانت الجيوش تتنافس على السيطرة على المدن، أما اليوم فهي تتنافس على السيطرة على حسابات الخصم. لم يعد الانتصار يعني احتلال الأرض، بل احتلال عقل صانع القرار، ودفعه إلى مراجعة كل افتراضاته السابقة، وإعادة كتابة خرائطه العسكرية تحت ضغط الخوف من المجهول...

ختاماً:
إن أخطر ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم ليس تبادل الصواريخ، بل التغيير الهادئ في فلسفة الحرب نفسها، فالقوة لم تعد تُقاس بعدد حاملات الطائرات ولا بحجم الترسانات، وإنما بقدرة كل طرف على فرض معادلته على الآخر، وإذا استمرت هذه الدينامية، فإن المنطقة لن تكون أمام حرب تقليدية ذات نهاية واضحة، بل أمام صراع طويل تتآكل فيه موازين القوة بالتدريج، وتُستنزف فيه الإرادات قبل الجيوش...

وعندما تصل الحروب إلى هذه المرحلة، يصبح السؤال الحقيقي ليس: 
- من يمتلك القوة الأكبر؟..
 بل:
- من يستطيع أن يعيش أطول داخل معادلة الاستنزاف دون أن يفقد قدرته على الاستمرار؟..
 وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم شكل الشرق الأوسط في السنوات المقبلة، أكثر مما سترسمه نتائج أي معركة منفردة.