
إذا صحّ هذا...
فليس مجلس شعب بل مجلس شورى بلا سلطة.
ليست المشكلة في أن تختلف الآراء داخل أي مؤسسة تشريعية، ولا في أن يكون لرئيس الدولة تأثير سياسي في إدارة المرحلة الانتقالية، فذلك أمر تعرفه معظم الدول الخارجة من الأزمات، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول البرلمان إلى مؤسسة شكلية، تُسحب منها صلاحياتها واحدةً تلو الأخرى، حتى لا يبقى منها إلا الاسم.
الرواية المتداولة بشأن ما جرى قبل وأثناء الجلسة الثانية لمجلس الشعب، إن صحت، ترسم صورة مقلقة للغاية، فهي تتحدث عن توجيهات تقضي بمنع تشكيل لجنة للعلاقات الخارجية، وإلغاء لجنة للعلاقات الأمنية، ومنع انتخاب اللجان البرلمانية وترك تشكيلها بقرار من رئاسة المجلس بعد التنسيق مع رئاسة الجمهورية، وإلغاء مراجعة المراسيم السابقة، وحصر دور المجلس في استدعاء الحكومة للاستفسار فقط، دون مساءلة الوزراء أو محاسبتهم أو اتخاذ أي إجراء بحقهم...
إذا كانت هذه الرواية صحيحة، فإن السؤال لا يتعلق بالأشخاص، بل بطبيعة النظام السياسي الذي يجري تأسيسه. فما الحاجة إلى مجلس شعب إذا كانت السلطة التنفيذية تحتكر السياسة الخارجية، والأمن، والتشريع، وتشكيل اللجان، وحتى أدوات الرقابة البرلمانية؟ وما الفرق عندئذ بين مجلس منتخب أو معيّن وبين مجلس استشاري لا يملك إلا حق الاستماع وطرح الأسئلة؟..
إن الرقابة البرلمانية ليست منحة يمنحها رئيس الدولة، بل هي جوهر وجود السلطة التشريعية، فالمجلس الذي لا يستطيع مساءلة وزير، أو مراجعة مرسوم، أو تشكيل لجانه بإرادة مستقلة، ليس سلطة تشريعية بالمعنى الدستوري، بل هيئة استشارية تفتقد أهم مقومات استقلالها...
أما ما نُسب إلى الدكتور عبد الحميد العواك من رفضه لهذه التوجهات، وإبلاغه أعضاء المجلس بما طُرح عليه، فإن صحّ، فهو يعكس تمسكًا بمبدأ الفصل بين السلطات، وهو المبدأ الذي قامت عليه الدولة الحديثة. فلا يمكن الحديث عن انتقال سياسي أو إصلاح دستوري إذا كانت كل السلطات تُجمع في يد جهة واحدة...
وفي المقابل، فإن المزاعم المتعلقة بالخلافات بين الرئاسة ووزارتي الداخلية والخارجية حول رئاسة المجلس، أو الحديث عن قوائم محسوبة على هذا الطرف أو ذاك، أو منع بعض المرشحين من الترشح، تبقى ادعاءات تحتاج إلى أدلة واضحة قبل التعامل معها باعتبارها حقائق، فلا يجوز تحويل التسريبات إلى وقائع نهائية دون بينات، لأن ذلك يسيء إلى النقاش العام ويضعف مصداقيته.
أما التفاصيل المتعلقة بعدم توفير السكن أو المخصصات أو حتى الطعام لأعضاء المجلس، فهي - إن ثبتت - لا تمثل مجرد خلل إداري، بل تعكس ارتباكًا في إدارة مؤسسة يفترض أنها تمثل أعلى سلطة تشريعية في البلاد، غير أن هذه الوقائع، على أهميتها، تبقى ثانوية مقارنة بالسؤال الأكبر:
- هل يملك المجلس صلاحياته أم لا؟
والأخطر في الرواية كلها هو ما نُسب إلى الدكتور عبد الحميد العواك بشأن وجود مسودة أولية للإعلان الدستوري تمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة جدًا، وأن لجنة الصياغة عملت على تقليصها، فإن كان ذلك صحيحًا، فهذا يعني أن هناك بالفعل اتجاهًا نحو تركيز السلطات، وأن ما جرى لاحقًا ليس سوى امتداد لذلك التوجه. أما إن لم يكن صحيحًا، فمن حق الرأي العام أن يعرف الحقيقة كاملة، لأن الدساتير لا تُبنى على الشائعات، بل على الشفافية...
إن سورية لم تدفع أثمانًا باهظة طوال السنوات الماضية لتستبدل مركزيةً بمركزية، أو احتكارًا باحتكار، أو فردًا بفرد. السوريون يستحقون دولة مؤسسات، لا دولة تعليمات؛ ودولة قانون، لا دولة استثناء؛ وبرلمانًا يراقب الحكومة ويحاسبها، لا مجلسًا يكتفي بالاستماع ثم يرفع الجلسة...
فالسلطة التي لا تخضع للرقابة تضعف مع الزمن، مهما كانت نواياها حسنة، والبرلمان الذي تُنتزع منه أدواته الدستورية لا يعود برلمانًا، بل يصبح مجلس شورى بلا سلطة، يبارك القرارات أكثر مما يصنعها، ويشهد على الأحداث أكثر مما يؤثر فيها.