
جمهورية القضاة الجدد:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
في الدول الطبيعية يذهب الناس إلى المحاكم، أما في سورية الجديدة فيبدو أن المحاكم أصبحت تذهب إلى الناس.
يكفي أن يمتلك أحدهم هاتفاً وحساباً على وسائل التواصل حتى يرتدي عباءة القاضي، ويجلس على منصة العدالة، ويصدر الأحكام النهائية باسم الشعب والثورة والوطن والضمير والتاريخ، ثم لا ينسى أن يطالب بتنفيذ العقوبة فوراً، وكأن التحقيق ترف، والقانون بدعة، والعدالة مجرد تفصيل ممل في طريق الانتقام...
لقد دخلنا زمناً غريباً لم يعد السؤال فيه:
- هل المتهم مذنب أم بريء؟..
بل أصبح السؤال:
- كم عدد الذين صدقوا الاتهام قبل أن يسمعوا الدفاع؟..
الناس اليوم لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن قصة تشبع غضبهم، وتغذي نار حقدهم وتعزز خطاب كراهيتهم، والحقيقة للأسف بطيئة، أما الشائعة فسريعة، الحقيقة تحتاج إلى أدلة ووثائق وشهود وتحقيق، أما الكذبة فتحتاج إلى منشور واحد مكتوب بعناية وشيء من الحقد وكثير من الجمهور المستعد للتصفيق...
الأخطر من ذلك أن الظلم لم يعد يُمارس بوصفه خطأ، بل بوصفه فضيلة، هناك من يتعامل مع التشهير باعتباره بطولة، ومع التحريض باعتباره شجاعة، ومع تدمير سمعة الناس باعتباره نوعاً من النضال...
*وهنا تكمن الكارثة الحقيقية:
فالظلم الذي يأتي من سلطة يمكن مقاومته أو محاسبته أو تغييره، أما الظلم الذي يتحول إلى ثقافة شعبية فيصبح وحشاً بلا رأس، لا أحد يعرف من يقوده ولا كيف يوقفه، إنه ينتشر بين الناس كالعدوى، ويتحول إلى سلوك يومي يمارسه الجميع ضد الجميع...
منذ سنوات طويلة حذر ابن خلدون من أن الظلم يدمر العمران، لكن ما نعيشه اليوم يتجاوز المعنى التقليدي للظلم الذي تحدث عنه، نحن أمام مرحلة يصبح فيها المجتمع نفسه مصنعاً لإنتاج الظلم، لم يعد الأمر مقتصراً على مسؤول يتعسف أو صاحب نفوذ يستغل سلطته، بل أصبح كل فرد يعتقد أنه مخول بإصدار الأحكام على الآخرين...
"وحين يتحول الجمهور إلى قضاة، يتحول الأبرياء إلى أهداف"...
التاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تنهار عندما يكثر فيها المجرمون، بل عندما يكثر فيها من يعتقدون أنهم يملكون حق العقاب دون قانون، فالمجرم يعرف أنه يخالف النظام، أما هذا النوع الجديد من القضاة الشعبيين فيرتكب الظلم وهو مقتنع بأنه يمارس الفضيلة...
واليوم لم يعد السوري مهدداً بسبب ما فعله، بل أحياناً بسبب ما قيل عنه، ولم يعد يخاف من المحكمة بقدر ما يخاف من حملة إلكترونية أو رواية مجهولة المصدر أو اتهام يكتبه شخص لا يعرفه ولم يلتق به يوماً...
لقد أصبحت السمعة أرخص من منشور، وأصبحت التهمة أسهل من السلام، وأصبح الدفاع عن النفس أصعب من إطلاق الاتهام...
والمفارقة الساخرة أن كثيرين ممن كانوا يطالبون بالعدالة صاروا يبررون الظلم عندما يقع على خصومهم، وكأن العدالة عند بعض الناس ليست مبدأً بل مزاجاً. فإن أصابت خصومهم صفقوا لها، وإن اقتربت منهم صرخوا مطالبين بالقانون...
* لكن المشكلة أن النار لا تعرف أسماء أصحابها:
كل ظلم يجري التسامح معه اليوم سيصبح سابقة غداً، وكل اتهام بلا دليل سيولد اتهاماً آخر، وكل تحريض يجد جمهوراً سيخلق محرضين جدداً، وهكذا يتحول المجتمع بالتدريج إلى ساحة ضخمة للثأر المتبادل، حيث يصبح الجميع قضاة والجميع متهمين والجميع ضحايا في الوقت نفسه...
ولذلك فإن الخطر الأكبر على سورية ليس نقص الأموال ولا ضعف المؤسسات ولا حتى الصراعات السياسية، الخطر الحقيقي هو انهيار فكرة العدالة نفسها...
عندما يفقد الناس احترامهم للقانون، ويستبدلون القضاء بالغوغاء، والتحقيق بالشائعات، والأدلة بالانفعالات، فإنهم لا يبنون دولة جديدة، بل يهدمون الأساس الذي تقوم عليه أي دولة...
" فالعدالة ليست رفاهية قانونية، بل هي آخر الجسور بين المجتمع والهاوية"...
وما نراه اليوم ليس انتصاراً للعدالة كما يتوهم البعض، بل انتصاراً للغضب على العقل، وللشائعة على الحقيقة، وللجماعة على القانون...
أما النهاية فهي معروفة سلفاً، وقد كتبها التاريخ عشرات المرات:
المجتمع الذي يجعل من الشارع محكمة، ومن الحشد قاضياً، ومن الكراهية قانوناً، لا يحصد في النهاية إلا الخوف والفوضى وخراب العمران.