
لو كان حافظ الأسد سنّياً... ولو كان أحمد الشرع علويّاً:
السؤال صادم، لكنه ضروري، ليس لأن الإجابة مجهولة، بل لأن كثيرين يخشون الاعتراف بها...
- ماذا لو كان حافظ الأسد سنياً؟..
- وماذا لو كان أحمد الشرع علوياً؟..
إجابتي المباشرة هي:
لكان التاريخ السوري مختلفاً في تفاصيله، لكنه ربما لم يكن مختلفاً كثيراً في جوهره، غير أن الحكم الاجتماعي والأخلاقي على الرجلين كان سيتغير جذرياً...
حين استولى حافظ الأسد على السلطة عام 1970 لم يحكم بصفته العلوية المعلنة، بل بصفته قائد دولة أمنية وحزباً حاكماً وجيشاً وأجهزة مخابرات، لكن لا يمكن إنكار أن انتماءه الطائفي أصبح مع الزمن عاملاً حاسماً في تفسير سلطته وفي تفسير المعارضة له، فالكثير من السوريين لم يروا فيه مجرد مستبد، بل مستبداً ينتمي إلى أقلية دينية تسيطر على دولة أكثرية سنية...
*هنا تكمن المفارقة الكبرى:
لو كان حافظ الأسد سنياً وفعل كل ما فعله من قمع واعتقالات ومجازر وتوريث للسلطة واحتكار للدولة، لبقي مستبداً في نظر خصومه، لكنه ما كان ليُحمّل وزر طائفة كاملة، كانت جرائمه ستُفسّر باعتبارها جرائم نظام سياسي، لا جرائم جماعة أهلية، وربما كانت رواية "الصراع الطائفي" ستفقد نصف قوتها على الأقل...
أما لو كان أحمد الشرع علوياً يقود التمرد الذي أطاح بنظام الأسد:
- فهل كان سيُستقبل في الشوارع العربية والإسلامية بنفس الحفاوة والترحيب؟..
- وهل كانت وسائل الإعلام ستصفه بالقائد الثائر والمحرر؟..
- أم كانت ستُفتَّش خلفيته العائلية والعقائدية في كل ساعة، وتُثار الشكوك حول نواياه ومشروعه وانتمائه؟..
" أغلب الظن أن كثيراً ممن يرفعونه اليوم إلى مرتبة البطل كانوا سيعتبرونه مشروع مؤامرة حتى لو حمل الهوية الطائفية نفسها التي حملها الأسد" ...
*وهنا نصل إلى الحقيقة الأكثر إزعاجاً:
المشكلة في سورية لم تكن يوماً طائفة تحكم وطائفة تعارض فقط، المشكلة كانت في الاستبداد أولاً، ثم في تحويل الاستبداد إلى هوية طائفية، بحيث صار الناس يرون المجرم من خلال مذهبه قبل أن يروا أفعاله...
حافظ الأسد لم يصبح مستبداً لأنه علوي، بل أصبح علويّاً في نظر السوريين لأنه كان مستبداً، وأحمد الشرع لا يُحكم عليه اليوم بسبب مذهبه، بل بسبب موقعه في لحظة الانتصار السياسي، ولو تبدلت المواقع لتبدلت الأحكام عند كثيرين.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
- ماذا لو كان الأسد سنياً أو الشرع علوياً؟..
بل :
- هل كان السوريون والعرب سيستخدمون المعايير نفسها مع الرجلين لو تبادلا الهويتين الطائفيتين؟
أخشى أن الإجابة الصادقة هي:
( لا )...
وهذا بالضبط أحد الأسباب التي جعلت المأساة السورية تطول كل هذا الزمن، فحين تصبح الطائفة أهم من الحرية، والمذهب أهم من الدولة، والهوية أهم من العدالة، يتحول النقاش من محاسبة الحكام إلى محاكمة الجماعات، ومن نقد الاستبداد إلى إدارة الأحقاد...
التاريخ يعلمنا أن الطغاة لا يولدون من طائفة بعينها، وأن الثوار ليسوا حكراً على طائفة بعينها، وكذا فإن الاستبداد سلوك سياسي، لا عقيدة دينية، والحرية قيمة إنسانية، لا امتياز مذهبي...
ولو كان حافظ الأسد سنياً، ولو كان أحمد الشرع علوياً، لبقي المعيار العادل واحداً:
" ماذا فعل كل منهما بسورية، لا إلى أي طائفة ينتمي ".