
مذكرة التفاهم مع واشنطن...
لحظة سقوط رواية "وحدة الجبهات":
على امتداد أكثر من أربعة عقود، قدمت إيران نفسها بوصفها رأس حربة مشروع سياسي وعسكري يقوم على شعارات "المقاومة" و"تحرير القدس" و"وحدة الجبهات"، وقد أُنفقت مليارات الدولارات، وسُخرت منابر إعلامية وجيوش إلكترونية، وأُنشئت تنظيمات مسلحة عابرة للحدود، لترسيخ صورة مفادها أن طهران تقود معسكرًا واحدًا في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل...
غير أن موافقة إيران على مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة تطرح أسئلة عميقة حول صدقية تلك الرواية، وحول ما إذا كانت الشعارات التي رُفعت لعقود كانت تعبر فعلًا عن مشروع تحرري، أم أنها كانت أدوات تعبئة سياسية تخدم أهدافًا أخرى أكثر ارتباطًا بالمصلحة الإيرانية المباشرة...
- فإذا كانت "وحدة الجبهات" حقيقة استراتيجية كما قيل مرارًا، فأين انعكست هذه الوحدة عندما تعرض قطاع غزة لأعنف حرب عرفها في تاريخه الحديث؟..
- وإذا كان "محور المقاومة" كيانًا متماسكًا بالفعل، فلماذا بدا كل طرف فيه يواجه مصيره منفردًا عند لحظة الاختبار الكبرى؟..
لقد قطعت حكومة المالكي الشك باليقين لجهة أن الخطاب شيء، والسياسات الفعلية شيء آخر تمامًا. فحين اصطدمت الشعارات بحسابات الدولة ومصالحها، تقدمت المصالح على الشعارات، وبرزت الأولويات الوطنية الإيرانية فوق كل الاعتبارات الأخرى.
ولعل ما يثير الانتباه أكثر هو أن الخطاب الإيراني التقليدي حول فلسطين والقدس تراجع حضوره بصورة لافتة أمام حديث متزايد عن الملفات المرتبطة بالنفوذ الإيراني المباشر في المنطقة...
وهنا يبرز التساؤل المشروع التالي :
- هل كانت فلسطين هدفًا نهائيًا للمشروع الإيراني، أم أنها كانت عنوانًا تعبويًا يمنح هذا المشروع شرعية شعبية في الشارع العربي والإسلامي؟..
إن قراءة التجربة الإيرانية خلال العقود الماضية تقود كثيرين إلى الاعتقاد بأن البعد العقائدي كان حاضرًا بقوة في سياسات طهران الإقليمية، فبدل أن تنجح تلك السياسات في بناء فضاءات وطنية جامعة داخل المجتمعات العربية، ساهمت في حالات عديدة في تعميق الانقسامات والاستقطابات، وتحويل الخلافات السياسية إلى انقسامات اجتماعية ومذهبية يصعب احتواؤها، ودونكم ما فعلت ايران في كل من العراق وسورية، حيث كان حضورها طائفي بامتياز وضد مكون بعينه من شعبي البلدين مع انحياز فج ووقح لطائفة بعينها...
أنا القدس والقضية الفلسطينية فما قام به الكيان من عدوان على قطاع غزة بعد عملية ٧ تشرين اول ٢٠٢٤ والتنكر الكامل من إيران لكل من حركتي حماس والجهاد التي ورطتهما في فتح جبهة صراع تفوق إمكانيات تلك الحركتين اللتان خدعتهما ايران وغدرهما العرب والعربات...
وليس سرًا أن فكرة "تصدير الثورة"، التي ارتبطت منذ الأيام الأولى بقيام الجمهورية الإسلامية، ظلت حاضرة بدرجات متفاوتة في السلوك السياسي الإيراني. وقد أوكلت مهمة كبيرة في هذا المجال إلى الحرس الثوري الذي تحول مع الزمن إلى مؤسسة تتجاوز الأدوار العسكرية التقليدية لتصبح لاعبًا إقليميًا يمتلك أدوات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة...
ومن هنا:
فإن مذكرة التفاهم الأخيرة لا تبدو مجرد اتفاق سياسي عابر، بل تبدو بالنسبة لكثير من المراقبين لحظة كاشفة للفجوة بين الخطاب والممارسة، فهي تذكر الجميع بأن الدول، مهما ارتفعت شعاراتها، تعود في النهاية إلى حسابات المصالح عندما تصل إلى المنعطفات الحاسمة، ودونكم مثلا وقوف ايران حتى آخر لحظة مع حزب الله في لبنان التي قصفت من أجله الكيان، وكادت أن تفعل امس بعد أن قصف العدو الضاحية الجنوبية لبيروت، وكذا إصرارها على ربط وقف إطلاق النار مع وقوفه في ايران إلا أنها لم تذكر لا بكلمة ولا حتى بحرف قطاع غزة ليثبت أن مواقف ايران لا أقول إنها انتقائية بل هي طائفية فنرى وقوفها مع حزب الله بعكس ما كان موقفها من حماس والجهاد لتثبت أنها اي ايران كيان عقائدي ويستحيل أن يكون تحرري...
لقد قيل للعرب طوال عقود إن المعركة واحدة والجبهة واحدة والمصير واحد، لكن الوقائع المتراكمة تشير إلى أن لكل طرف حساباته الخاصة، وأن ما سُمي "محور المقاومة" لم يكن بالضرورة كتلة سياسية متجانسة بقدر ما كان تجمعًا تحكمه أولويات متباينة ومصالح متغيرة...
والخلاصة:
أن مذكرة التفاهم مع واشنطن لا تمثل فقط حدثًا سياسيًا جديدًا، بل تمثل اختبارًا قاسيًا للرواية الإيرانية التي حكمت الخطاب السياسي في المنطقة لعقود، فحين تتراجع الشعارات أمام التفاهمات، وحين تتقدم المصالح على الخطابات التعبوية، يصبح من حق الرأي العام أن يعيد طرح السؤال من جديد:
هل كان المشروع المعلن مشروع مقاومة وتحرر فعلًا، أم أن المقاومة كانت في كثير من الأحيان وسيلة لخدمة مشروع آخر مختلف تمامًا؟