سبتة... عندما يتحول اليأس إلى "غزو" في خطاب اليمين الأوروبي

Salah Kirata • ٣١‏/٧‏/٢٠٢٦

63463.png


سبتة... 
عندما يتحول اليأس إلى "غزو" في خطاب اليمين الأوروبي.

بقلم: 
د. صلاح قيراطة، استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

كلما وصل آلاف المهاجرين إلى السواحل أو الحدود الأوروبية، ارتفعت أصوات اليمين المتطرف معلنة أن أوروبا تتعرض لـ"غزو إسلامي"، وكأن المشهد لا يضم بشراً أنهكتهم الحروب والفقر والجفاف، بل جيوشاً مدججة بالسلاح جاءت لاحتلال القارة.

هذا بالضبط ما تكرر عقب موجة العبور الأخيرة إلى مدينة سبتة الإسبانية، حيث دخل آلاف المهاجرين من المغرب ودول إفريقيا خلال ساعات، فوجدت أحزاب اليمين في إسبانيا وغيرها فرصة جديدة لإحياء خطاب الخوف، وربط الهجرة بالإرهاب والجريمة، وتحميل المهاجرين مسؤولية كل الأزمات التي تعانيها أوروبا...

* لكن الوقائع أكثر تعقيداً من الشعارات:

نعم، ما حدث في سبتة يشكل تحدياً أمنياً وإنسانياً لإسبانيا، ومن حق الدولة أن تضبط حدودها، وأن تمنع الهجرة غير النظامية، وأن ترحل من لا تنطبق عليه شروط اللجوء أو الإقامة. فلا توجد دولة في العالم تقبل حدوداً مفتوحة بلا ضوابط...

غير أن هذا الحق المشروع لا يمنح أحداً حق تحويل آلاف البشر إلى "غزاة"، فالغزو، في القانون والسياسة، تقوم به الجيوش، أما الذين عبروا إلى سبتة فهم مدنيون دفعهم اليأس إلى المجازفة بأرواحهم، بعدما ضاقت بهم أوطانهم...

إلا أن السؤال الذي يتجاهله دعاة الكراهية بسيط وهو :
 - لماذا يركب إنسان قارباً متهالكاً وهو يعلم أن احتمال الغرق قد يكون أكبر من احتمال النجاة؟

الإجابة ليست الدين، ولا مؤامرة لتغيير هوية أوروبا، بل الفقر، والبطالة، والحروب، وانهيار الاقتصادات، والجفاف، والانفجار السكاني، وغياب الأمل، إلى جانب شبكات تهريب البشر التي تتاجر بأحلام الشباب وتحقق من مأساتهم أرباحاً بمليارات الدولارات...

ولا يمكن إنكار أن بعض المهاجرين ارتكبوا جرائم، وأن بعض المتطرفين استغلوا طرق الهجرة للوصول إلى أوروبا، لكن تحويل الاستثناء إلى قاعدة هو تضليل للرأي العام، لأن ملايين المهاجرين يعيشون في أوروبا منذ عقود، يعملون في المستشفيات، والمزارع، وقطاع البناء، والمواصلات، والخدمات، ويسهمون في اقتصادات تعاني أصلاً نقصاً في اليد العاملة...

والسؤال الذي لا يحب اليمين المتطرف الإجابة عنه هو:
-  إذا كانت الهجرة هي سبب كل مشكلات أوروبا، فلماذا تعاني القارة من شيخوخة سكانية، ونقص في العمالة، وحاجة متزايدة إلى مهاجرين في قطاعات حيوية؟..

إن أزمة سبتة ليست أزمة حدود فحسب، بل أزمة عالم غير متوازن، فبين شمال يتمتع بالاستقرار والرخاء، وجنوب يرزح تحت الفقر والنزاعات، ستظل الهجرة مستمرة مهما ارتفعت الأسوار، ومهما اشتدت الدوريات...

كما أن من الظلم تجاهل الدور الذي يقوم به المغرب في الحد من الهجرة غير النظامية، فالتعاون الأمني بين الرباط ومدريد أسهم لسنوات في تقليص محاولات العبور، لكن أي ضغط اقتصادي أو توتر سياسي أو نشاط مكثف لشبكات التهريب يمكن أن يؤدي إلى موجات مفاجئة كتلك التي شهدتها سبتة...

إن أوروبا تحتاج إلى سياسة هجرة واقعية، لا إلى شعارات انتخابية، تحتاج إلى حدود قوية، نعم، ولكنها تحتاج أيضاً إلى شراكات تنموية مع إفريقيا، وإلى تفكيك شبكات الاتجار بالبشر، وإلى نظام لجوء سريع وعادل يميز بين طالب الحماية الحقيقي، والمهاجر الاقتصادي، والمجرم...

أما تحويل كل مهاجر إلى عدو، وكل مسلم إلى خطر، فهو خطاب قد يكسب أصواتاً في صناديق الاقتراع، لكنه لن يوقف قارباً واحداً عن الإبحار، ولن يمنع شاباً يائساً من المخاطرة بحياته إذا كان يرى أن الموت في البحر أهون من الموت البطيء في وطنه.

إن ما يحدث في سبتة ليس غزواً، بل إنذاراً. إنذارٌ بأن العالم ما زال عاجزاً عن معالجة جذور الهجرة، وأن الخوف لا يصنع سياسة، والكراهية لا تصنع أمناً، والشعارات لا تحل الأزمات.